الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 263 ] ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة ، إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين ، وقالا : يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفان ) لما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام مسح على جوربيه }" ولأنه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخينا ، [ ص: 264 ] وهو أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء فأشبه الخف ، وله أنه ليس في معنى الخف ; لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان منعلا ، وهو محمل الحديث ، وعنه أنه رجع إلى قولهما ، وعليه الفتوى .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        الحديث الخامس : روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على جوربيه } ، قلت : روي من [ ص: 264 ] حديث المغيرة بن شعبة . ومن حديث أبي موسى . ومن حديث بلال ، فحديث المغيرة ، رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { توضأ ومسح على الجوربين . والنعلين }انتهى .

                                                                                                        قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال النسائي في " سننه الكبرى " : لا نعلم أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية ، والصحيح عن المغيرة { أنه عليه السلام مسح على الخفين }انتهى .

                                                                                                        ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخامس والثلاثين ، من القسم الرابع ، وقال أبو داود في " سننه " : كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث ; لأن المعروف عن المغيرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين }.

                                                                                                        قال : وروى أبو موسى الأشعري أيضا { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الجوربين } ، وليس بالمتصل ، ولا بالقوي ، قال : ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك . وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب . وابن عباس انتهى .

                                                                                                        وذكر البيهقي حديث المغيرة هذا . وقال : إنه حديث منكر ، ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين . وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج ، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين ، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه انتهى .

                                                                                                        قال النووي : كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي ، مع أن الجرح مقدم على التعديل ، قال : واتفق الحفاظ على تضعيفه . ولا يقبل قول الترمذي : إنه حسن صحيح انتهى .

                                                                                                        وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام " : أبو قيس الأودي اسمه " عبد الرحمن بن ثروان " احتج به البخاري في " صحيحه " وذكر البيهقي في " سننه " أن أبا محمد يحيى بن منصور ، قال : رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر .

                                                                                                        وقال : أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان ، وخصوصا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة ، فقالوا : مسح على [ ص: 265 ] الخفين ، وقال : لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس . وهزيل ، قال : فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي ، فسمعته يقول : سمعت علي بن محمد بن شيبان يقول : سمعت أبا قدامة السرخسي يقول : قال عبد الرحمن بن مهدي : قلت لسفيان الثوري : لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك ، فقال سفيان : الحديث ضعيف ، ثم أسند البيهقي عن أحمد بن حنبل ، قال : ليس يروى هذا الحديث إلا من رواية أبي قيس الأودي . وأبى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث بهذا الحديث ، وقال : هو منكر ، وأسند البيهقي أيضا عن علي بن المديني ، قال : حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة . وأهل الكوفة ، وأهل البصرة ، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنه قال : ومسح على الجوربين ، فخالف الناس ، وأسند أيضا عن يحيى بن معين ، قال : الناس كلهم يروونه على الخفين ، غير أبي قيس ، قال الشيخ : ومن يصححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفا لرواية الجمهور مخالفة معارضة ، بل هو أمر زائد على ما رووه ، ولا يعارضه ، ولا سيما ، وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها انتهى .

                                                                                                        وأما حديث أبي موسى ، وهو الذي أشار إليه أبو داود ، فأخرجه ابن ماجه في " سننه " . والطبراني في " معجمه " عن عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { توضأ ومسح على الجوربين والنعلين }انتهى .

                                                                                                        ولم أجده في نسختين من ابن ماجه ، ولا ذكره ابن عساكر في " الأطراف " وكأنه في بعض النسخ ، فقد عزاه ابن الجوزي في " التحقيق " لابن ماجه ، وكذلك الشيخ في " الإمام " وقال : وقول أبي داود في هذا الحديث : ليس بالمتصل ولا بالقوي أوضحه البيهقي ، فقال الضحاك : ابن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى وعيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به انتهى .

                                                                                                        وأخرجه العقيلي في " كتاب الضعفاء " وأعله بعيسى بن سنان ، وضعفه عن يحيى بن معين . وغيره .

                                                                                                        وأما حديث بلال ، فرواه الطبراني في " معجمه " من طريق ابن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والجوربين }انتهى .

                                                                                                        وأخرجه أيضا عن يزيد بن أبي زياد . وابن أبي ليلى عن [ ص: 266 ] كعب بن عجرة عن بلال ، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه ، ويزيد بن أبي زياد . وابن أبي ليلى مستضعفان ، مع نسبتهما إلى الصدق ، والله أعلم .

                                                                                                        الآثار في ذلك روى عبد الرزاق في " مصنفه أخبرنا الثوري عن الزبرقان عن كعب بن عبد الله ، قال : رأيت عليا بال فمسح على جوربيه ونعليه ، ثم قام يصلي انتهى .

                                                                                                        أخبرنا الثوري عن منصور عن خالد بن سعد ، قال : كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له من شعر ونعليه ، أخبرنا الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن أبي مسعود نحوه ، أخبرنا الثوري عن يحيى بن أبي حية عن أبي الخلاس عن ابن عمر أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه ، أخبرنا الثوري عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه ، قال : رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه ، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك أنه كان يمسح على الجوربين ، أخبرنا معمر عن الأعمش عن إبراهيم أن ابن مسعود كان يمسح على خفيه ويمسح على جوربيه انتهى .




                                                                                                        الخدمات العلمية