الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فروع في زكاة العشر

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 336 ] وللمودع صرف وديعة مات ربها ولا وارث لنفسه أو غيره من المصارف : دفع النائبة والظلم عن نفسه أولى إلا إذا تحمل حصته باقيهم وتصح الكفالة بها ويؤجر من قام بتوزيعها بالعدل وإن كان الأخذ باطلا وهذا يعرف ولا يعرف كفا لمادة الظلم [ ص: 337 ] يجوز ترك الخراج للمالك لا العشر ، وسيجيء تمامه مع بيان بيوت المال ومصارفها في الجهاد ونظمها ابن الشحنة فقال : بيوت المال أربعة لكل مصارف بينتها العالمونا     فأولها الغنائم والكنوز
ركاز بعدها المتصدقونا      [ ص: 338 ] وثالثها خراج مع عشور
وجالية يليها العاملونا     ورابعها الضوائع مثل ما لا
يكون له أناس وارثونا     فمصرف الأولين أتى بنص
وثالثها حواه مقاتلونا     ورابعها فمصرفه جهات
تساوى النفع فيها المسلمونا

التالي السابق


( قوله : وللمودع إلخ ) قال في شرح الوهبانية وفي البزازية قال الإمام الحلواني إذا كان عنده وديعة فمات المودع بلا وارث له أن يصرف الوديعة إلى نفسه في زماننا هذا ; لأنه لو أعطاها لبيت المال لضاع ; لأنهم لا يصرفون مصارفه فإذا كان من أهله صرفه إلى نفسه وإن لم يكن من المصارف صرفه إلى المصرف ا هـ وقوله وإن لم يكن من المصارف يؤيد ما قلناه آنفا حيث أطلق المصارف ولم يقيدها بمصارف هذا المال فشمل مصارف البيوت الأربعة تأمل ( قوله : دفع النائبة والظلم عن نفسه أولى إلخ ) النائبة ما ينوبه من جهة السلطان من حق أو باطل أو غيره كما في القنية عن البزدوي والمراد دفع ما كانت بغير حق ، ولذا عطف الظلم تفسيرا فيها عن شمس الأئمة السرخسي توجه على جماعة جباية بغير حق فلبعضهم دفعها عن نفسه إذا لم يحمل حصته على الباقين وإلا فالأولى أن لا يدافعها عن نفسه ثم نقل صاحب القنية عن شيخه بديع أن فيه إشكالا ; لأن إعطاءه إعانة للظالم على ظلمه ، فإن أكثر النوائب في زماننا بطريق الظلم فمن تمكن من دفع الظلم عن نفسه فذلك خير له ا هـ ملخصا وعليه مشى ابن وهبان في منظومته ، وأجاب ابن الشحنة بأن الإشكال مدفوع بما فيه من أنواع الظلم على الضعيف العاجز بواسطة دفعه عن نفسه . ا هـ .

قلت : فيه نظر فإن ما حرم أخذه حرم إعطاؤه كما في الأشباه أي إلا لضرورة فإذا كان الظالم لا بد من أخذه المال على كل حال لا يكون العاجز عن الدفع عن نفسه آثما بالإعطاء بخلاف القادر فإنه بإعطائه ما يحرم أخذه يكون معينا على الظلم باختياره تأمل ( قوله : حصته ) مفعول تحمل وباقيهم فاعله أي باقي جماعته ( قوله : وتصح الكفالة بها ) أي بالنائبة سواء كانت بحق ككري النهر المشترك للعامة ، وأجرة الحارس للمحلة المسمى بديار مصر الخفير ، وما وظف للإمام ليجهز به الجيوش وفداء الأسارى بأن احتاج إلى ذلك ولم يكن في بيت المال شيء فوظف على الناس ذلك والكفالة به جائزة اتفاقا أو كانت بغير حق كجبايات زماننا فإنها في المطالبة كالديون بل فوقها ، حتى لو أخذت من الأكار ، فله الرجوع على مالك الأرض وعليه الفتوى وقيده شمس الأئمة بما إذا أمره به طائعا فلو مكرها في الأمر لم يعتبر أمره بالرجوع ذكره الشارح وصاحب النهر في الكفالة ط .

قلت : ومعنى صحة الكفالة بالنائبة التي بغير حق أن الكفيل إذا كفل غيره بها بأمره كان له الرجوع عليه بما أخذه الظالم منه لا بمعنى أنه يثبت للظالم حق المطالبة على الكفيل ، فلا يرد ما قيل إن الظلم يجب إعدامه فكيف تصح الكفالة به كما سنحققه في محله إن شاء الله تعالى ( قوله : ويؤجر من قام بتوزيعها بالعدل ) أي بالمعادلة كما عبر في القنية أي بأن يحمل كل واحد بقدر طاقته ; لأن لو ترك توزيعها إلى الظالم ربما يحمل بعضهم ما لا يطيق فيصير ظلما على ظلم ففي قيام العارف بتوزيعها بالعدل تقليل للظلم فلذا يؤجر وهذا اليوم كالكبريت الأحمر بل هو أندر ( قوله : وهذا يعرف إلخ ) المشار إليه غير مذكور في كلامه وأصله في القنية حيث قال وقال أبو جعفر البلخي ما يضر به السلطان على الرعية مصلحة لهم يصير دينا واجبا وحقا مستحقا كالخراج ، وقال مشايخنا وكل ما يضربه الإمام . [ ص: 337 ] عليهم لمصلحة لهم فالجواب هكذا حتى أجرة الحراسين لحفظ الطريق واللصوص ونصب الدروب وأبواب السكك وهذا يعرف ولا يعرف خوف الفتنة ثم قال : فعلى هذا ما يؤخذ في خوارزم من العامة لإصلاح مسناة الجيحون أو الربض ونحوه من مصالح العامة دين واجب لا يجوز الامتناع عنه ، وليس بظلم ولكن يعلم هذا الجواب للعمل به وكف اللسان عن السلطان وسعاته فيه لا للتشهير حتى لا يتجاسروا في الزيادة على القدر المستحق ا هـ .

قلت : وينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي لذلك لما سيأتي في الجهاد من أنه يكره الجعل إن وجد فيء ( قوله : يجوز ترك الخراج للمالك إلخ ) سيأتي الجهاد متنا وشرحا ما نصه ترك السلطان أو نائبه الخراج لرب الأرض أو وهبه ولو بشفاعة جاز عند الثاني وحل له لو مصرفا وإلا تصدق به به يفتى وما في الحاوي من ترجيح حله لغير المصرف خلاف المشهور ولو ترك العشر لا يجوز إجماعا ويخرجه بنفسه للفقراء سراج خلافا لما في قاعدة : تصرف الإمام منوط بالمصلحة من الأشباه معزيا للبزازية فتنبه . ا هـ .

قلت : والذي في الأشباه عن البزازية إذا ترك العشر لمن عليه جاز غنيا كان أو فقيرا لكن إن كان المتروك له فقيرا فلا ضمان على السلطان وإن كان غنيا ضمن السلطان العشر للفقراء من بيت مال الخراج لبيت مال الصدقة ا هـ .

قلت : وما في الأشباه ذكر مثله في الذخيرة عن شيخ الإسلام بقوله : لو غنيا كان له جائزة من السلطان ، ويضمن مثله من بيت الخراج لبيت الصدقة ولو فقيرا كان صدقة عليه فيجوز كما لو أخذه منه ثم صرفه إليه ولذا قالوا بأن السلطان إذا أخذ الزكاة من صاحب المال فافتقر قبل صرفها للفقراء كان له أن يصرفها إليه كما يصرفها إلى غيره ( قوله : ونظمها ابن الشحنة ) هو محمد والد شارح المنظومة عبد البر والنظم من بحر الوافر .

مطلب في بيان بيوت المال ومصارفها ( قوله : بيوت المال أربعة ) سيأتي في آخر فصل الجزية عن الزيلعي أن على الإمام أن يجعل لكل نوع بيتا يخصه وله أن يستقرض من أحدها ليصرفه للآخر ويعطي بقدر الحاجة والفقه والفضل فإن قصر كان الله تعالى عليه حسيبا . ا هـ .

وقال الشرنبلالي في رسالته : ذكروا أنه يجب عليه أن يجعل لكل نوع منها بيتا يخصه ، ولا يختلط بعضه ببعض ، وأنه إذا احتاج إلى مصرف خزانة وليس فيها ما يفي به يستقرض من خزانة غيرها ، ثم إذا حصل للتي استقرض لها مال يرد إلى المستقرض منها إلا أن يكون المصروف من الصدقات أو خمس الغنائم على أهل الخراج وهم فقراء فإنه لا يرد شيئا لاستحقاقهم للصدقات بالفقر وكذا في غيره إذا صرفه إلى المستحق . ا هـ .

( قوله : لكل مصارف ) أي لكل بيت محلات يصرف إليها ( قوله : فأولها الغنائم إلخ ) أي أول الأربعة بيت أموال الغنائم فهو على حذف مضافين وكذا يقال فيما بعده ط ويسمى هذا بيت مال الخمس أي خمس الغنائم والمعادن والركاز كما في التتارخانية فقوله الركاز وفي نسخة " ركاز " منونا من عطف العام بحذف حرف العطف ( قوله : وبعدها المتصدقونا ) مبتدأ وخبر والأولى وبعده بالتذكير أي بعد الأول إلا أن يقال : إن أولها اكتسب التأنيث من المضاف [ ص: 338 ] إليه أو أعاد الضمير على الغنائم وما عطف عليها ; لأنها نفس الأول أي وثانيها بيت أموال المتصدقين أي زكاة السوائم وعشور الأراضي وما أخذه العاشر من تجار المسلمين المارين عليه كما في البدائع ( قوله : وثالثها إلخ ) قال في البدائع :

الثالث : خراج الأراضي وجزية الرءوس وما صولح عليه بنو نجران من الحلل وبنو تغلب من الصدقة المضاعفة ، وما أخذ العشار من تجار أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب ا هـ زاد الشرنبلالي في رسالته عن الزيلعي وهدية أهل الحرب ، وما أخذ منهم بغير قتال وما صولحوا عليه لترك القتال قبل نزول العسكر بساحتهم ، فقوله مع عشور المراد به ما يأخذه العاشر من أهل الذمة والمستأمنين فقط بقرينة ذكره مع الخراج ; لأنه في حكمه أو هو خراج حقيقة كما قدمناه في بابه بخلاف ما يأخذه منا فإنه زكاة حقيقة أدخله في قوله المتصدقون كما مر فافهم ، وقوله وجالية هم أهل الذمة ; لأن عمر رضي الله تعالى عنه أجلاهم من أرض العرب كما في القاموس : أي أخرجهم منها ثم صار يستعمل حقيقة عرفية في الجزية التي يليها العاملون أي يلي أمرها عمال الإمام ، وكأن الناظم أدخل فيها ما يؤخذ من بني نجران وبني تغلب وما أخذ من أهل الحرب من هدية أو صلح ; لأنها في معنى جزية رءوسهم .

( قوله : الضوائع ) جمع ضائعة أي اللقطات ، وقوله : مثل ما لا إلخ مثل تركة لا وارث لها أصلا أو لها وارث لا يرد عليه كأحد الزوجين والأظهر جعله معطوفا على الضوائع بإسقاط العطف ; لأن من هذا النوع ما نقله الشرنبلالي دية مقتول لا ولي له لكن الدية من جملة تركة المقتول ولذا تقضى منها ديونه كما صرحوا به تأمل ( قوله : فمصروف الأولين إلخ ) بنقل حركة الهمزة إلى اللام لضرورة الوزن أي بيت الخمس وبيت الصدقات ، والنص في الأول قوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم } الآية وسيأتي بيانه في الجهاد إن شاء الله تعالى وفي الثاني قوله تعالى { إنما الصدقات للفقراء } الآية ويأتي بيانه قريبا .

( قوله : وثالثها حواه مقاتلونا ) الذي في الهداية وعامة الكتب المعتبرة أنه يصرف في مصالحنا كسد الثغور وبناء القناطر والجسور وكفاية العلماء والقضاة والعمال ورزق المقاتلة وذراريهم . ا هـ .

أي ذراري الجميع كما سيأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى ( قوله : ورابعها فمصرفه جهات إلخ ) موافق لما نقله ابن الضياء في شرح الغزنوية عن البزدوي من أنه يصرف إلى المرضى والزمنى واللقيط وعمارة القناطر والرباطات والثغور والمساجد وما أشبه ذلك . ا هـ .

ولكنه مخالف لما في الهداية والزيلعي أفاده الشرنبلالي أي فإن الذي في الهداية وعامة الكتب أن الذي يصرف في مصالح المسلمين هو الثالث كما مر .

وأما الرابع فمصرفه المشهور هو اللقيط الفقير والفقراء الذين لا أولياء لهم فيعطى منه نفقتهم وأدويتهم وكفنهم وعقل جنايتهم كما في الزيلعي وغيره .

وحاصله أن مصرفه العاجزون الفقراء فلو ذكر الناظم الرابع مكان الثالث ثم قال وثالثها حواه عاجزونا ورابعها فمصرفه إلخ لوافق ما في عامة الكتب ( قوله : تساوى ) فعل ماض والنفع منصوب على التمييز كطبت النفس أي تساوى المسلمون فيها من جهة النفع . ا هـ . ح والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث