الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فإن قتل محرم صيدا ) [ ص: 561 ] أي حيوانا بريا متوحشا بأصل خلقته ( أو دل عليه قاتله ) مصدقا له [ ص: 562 ] غير عالم واتصل القتل بالدلالة أو الإشارة والدال والمشير باق على إحرامه وأخذه قبل أن ينفلت عن مكانه ( بدءا أو عودا سهوا أو عمدا ) مباحا أو مملوكا ( فعليه جزاؤه ولو سبعا غير صائل ) أو مستأنسا ( أو حماما ) ولو ( مسرولا ) بفتح الواو : ما في رجليه ريش كالسراويل ( أو هو مضطر إلى أكله ) كما يلزمه القصاص لو قتل إنسانا وأكل لحمه ، ويقدم الميتة على الصيد [ ص: 563 ] والصيد على مال الغير ولحم الإنسان ، قيل والخنزير ; ولو الميت نبيا لم يحل بحال كما لا يأكل طعام مضطر آخر وفي البزازية : الصيد المذبوح أولى اتفاقا أشباه ، ويغرم أيضا ما أكله لو بعد الجزاء ( و ) الجزاء ( هو ما قومه عدلان ) وقيل الواحد ولو القاتل يكفي ( في مقتله أو في أقرب مكان منه ) [ ص: 564 ] إن لم يكن في مقتله قيمة ، فأو للتوزيع لا للتخيير

التالي السابق


( قوله أي حيوانا بريا إلخ ) زاد غيره في التعريف ممتنعا بجناحه أو قوائمه ، احترازا عن الحية والعقرب وسائر الهوام . والبري ما يكون توالده في البر ، ولا عبرة بالمثوى ، أي المكان . واحترز به عن البحري ، وهو ما يكون توالده في الماء ولو كان مثواه في البر لأن التوالد أصل والكينونة بعده عارض ، فكلب الماء والضفدع المائي كما قيده في الفتح قال ومثله السرطان والتمساح والسلحفاة البحري يحل اصطياده للمحرم بنص الآية وعمومها متناول لغير المأكول منه وهو الصحيح . خلافا لما في مناسك الكرماني من تخصيصه بالسمك خاصة . أما البري فحرام مطلقا ولو غير مأكول كالخنزير كما في البحر عن المحيط إلا ما يستثنيه بعد من الذئب والغراب والحدأة والسبع الصائل ، وأما باقي الفواسق فليست بصيد .

قال في اللباب : وأما طيور البحر فلا يحل اصطيادها لأن توالدها في البر ، وعزاه شارحه إلى البدائع والمحيط فما قاله في البحر من أن توالدها في الماء سبق قلم وإلا نافى ما مر من اعتبار التوالد فافهم ، ودخل في المتوحش بأصل خلقته نحو الظبي المستأنس وإن كانت ذكاته بالذبح ، وخرج البعير والشاة إذا استوحشا وإن كانت ذكاتهما بالبقر لأن المنظور إليه في الصيدية أصل الخلقة ، وفي الذكاة الإمكان وعدمه بحر ، وخرج الكلب ولو وحشيا لأنه أهلي في الأصل ، وكذا السنور الأهلي ، أما البري ففيه روايتان عن الإمام فتح وجزم في البحر بأنه كالكلب . [ تنبيه ]

قال في شرح اللباب : والظاهر أن ماء البحر لو وجد في أرض الحرم يحل صيده أيضا لعموم الآية وحديث " هو الطهور ماؤه والحل ميتته " وقد صرح به الشافعية حيث قالوا لا فرق بين أن يكون البحر في الحل أو الحرم . ا هـ . وفيه : وقد يوجد من الحيوانات ما تكون في بعض البلاد وحشية الخلقة ، وفي بعضها مستأنسة كالجاموس ، فإنه في بلاد السودان مستوحش ولا يعرف منه مستأنس عندهم ا هـ ولم يبين حكمه . وظاهره أن المحرم منهم في بلاده يحرم عليه صيده ما دام فيها ، والله تعالى أعلم ( قوله أو دل عليه قاتله ) أراد بالدلالة الإعانة على قتله سواء كانت دلالة حقيقية بالإعلام بمكانه وهو غائب أو لا بحر ، فدخل فيها الإشارة كما يشير إليه كلام الشارح وهي ما يكون بالحضرة ، وفسرها في الفتح بأنها تحصيل الدلالة بغير اللسان ا هـ ومقتضاه أن الدلالة أعم لحصولها باللسان وغيره .

وذكر الشيخ إسماعيل عن البرجندي ما نصه : ولا يخفى أن ذكر الدلالة يغني عن الإشارة ، وقد تخص الإشارة بالحضرة والدلالة بالغيبة ا هـ فكان ينبغي أن يزيد المصنف أو أعانه عليه أو أمره بقتله لحديث أبي قتادة في الصحيحين " { هل منكم أحد أمره أو أشار إليه } " وفي رواية مسلم " { هل أشرتم أو أعنتم ؟ قالوا لا . قال : فكلوا } " وقول البحر إن المراد بالدلالة الإعانة لا يشمل الأمر ، إذ لا إعانة فيه ما لم تكن معه دلالة على ما يأتي قريبا ، نعم يشمل ما لو دخل الصيد مكانا فدله على طريقه أو على بابه ، وما لو دله على آلة يرميه بها ، وكذا لو أعارها له على المعتمد إلا إذا كان مع القاتل سلاح غيرها على ما عليه أكثر المشايخ . [ تنبيه ]

قيد الدال بالمحرم بإرجاع الضمير إليه ، وأطلق في القاتل لأن الدال الحلال لا شيء عليه إلا الإثم على ما في المشاهير من الكتب ، وقيل عليه نصف القيمة شرح اللباب ، ولا يشترط كون المدلول محرما فلو دل محرم حلالا في الحل فقتله فعلى الدال الجزاء دون المدلول لباب ( قوله مصدقا له ) هذه الشروط لوجوب الجزاء على [ ص: 562 ] الدال المحرم ; أما الإثم فمتحقق مطلقا كما في البحر . زاد في النهر : وليس معنى التصديق أن يقول له صدقت ; بل أن لا يكذبه ; حتى لو أخبر محرم بصيد فلم يره حتى أخبره محرم آخر فلم يصدق الأول ولم يكذبه ثم طلب الصيد فقتله كان على كل واحد منهما الجزاء ; ولو كذب الأول لم يكن عليه ( قوله غير عالم ) حتى لو دله والمدلول يعلم به : أي برؤية أو غيرها لا شيء على الدال لكون دلالته تحصيل الحاصل فكانت كلا دلالة لباب وشرحه .

وعليه فيشكل ما في المحيط عن المنتقى : لو قال خذ أحد هذين وهو يراهما فقتلهما فعلى الدال جزاء واحد وإلا فجزاءان : وأجاب في البحر بأن الأمر بالأخذ ليس من قبيل الدلالة فيوجب الجزاء مطلقا . قال : ويدل عليه ما في الفتح وغيره : لو أمر المحرم غيره بأخذ صيد فأمر المأمور آخر فالجزاء على الآمر الثاني لأنه لم يمتثل أمر الأول لأنه لم يأتمر بالأمر ، بخلاف ما لو دل الأول على الصيد وأمره فأمر الثاني ثالثا بالقتل حيث يجب الجزاء على الثلاثة فقد فرقوا بين الأمر المجرد والأمر مع الدلالة . ا هـ .

والحاصل أن عدم العلم شرط للدلالة لا للأمر ، بل هو موجب للجزاء مطلقا بشرط الائتمار ( قوله واتصل القتل بالدلالة ) أي تحصل بسببها شرح اللباب ( قوله والدال والمشير ) الأولى أو المشير بأو لأن الحكم ثابت لأحدهما وليصح قوله بعد باق ، واحترز بذلك عما إذا تحلل الدال أو المشير فقتله المدلول لا شيء عليه ويأثم هندية ط ( قوله قبل أن ينفلت عن مكانه ) فلو انفلت عن مكانه ثم أخذه بعد ذلك فقتله فلا شيء على الدال هندية ط ( قوله بدءا أو عودا ) أي لا فرق في لزوم الجزاء بين قتل أول صيد وبين ما بعده . وقال ابن عباس لا جزاء على العائد وبه قال داود وشريح ، ولكن يقال له اذهب فينتقم الله منك معراج ( قوله سهوا أو عمدا ) وكذا مباشرا ولو غير متعد كنائم انقلب على صيد أو متسببا إذا كان متعديا ، كما إذا نصب شبكة أو حفر له حفيرة بخلاف ما لو نصب فسطاطا لنفسه فتعلق به صيد أو حفر حفيرة للماء أو لحيوان مباح القتل كذئب فعطب فيها صيد أو أرسل كلبه إلى حيوان مباح فأخذ ما يحرم أو إلى صيد في الحل وهو حلال فجاوز إلى الحرم حيث لا يلزمه شيء لعدم التعدي ، وتمامه في النهر والبحر ( قوله أو مملوكا ) ويلزمه قيمتان قيمة لمالكه وجزاؤه حقا لله تعالى بحر عن المحيط ، ولو كان معلما فيأتي حكمه .

( قوله فعليه جزاؤه ) ويتعدد بتعدد المقتول إلا إذا قصد به التحلل ورفض إحرامه كما صرح به في الأصل بحر ، وقدمناه عن اللباب ( قوله ولو سبعا ) اسم لكل مختطف منتهب جارح قاتل عاد عادة ، وأراد به كل حيوان لا يؤكل لحمه مما ليس من الفواسق السبعة والحشرات سواء كان سبعا أم لا ولو خنزيرا أو قردا أو فيلا كما في المجمع بحر . ودخل فيه سباع الطير كالبازي والصقر ، وقيد بغير الصائل لما سيأتي أنه لو صال لا شيء بقتله ( قوله أو مستأنسا ) عطف على سبعا : أي ولو ظبيا مستأنسا لأن استئناسه عارض ، والعبرة للأصل كما مر ( قوله ولو مسرولا ) صرح به لخلاف مالك فيه ، فإنه يقول لا جزاء فيه لأنه ألوف لا يطير بجناحيه كالبط ( قوله كما يلزمه ) أي المضطر إلى الأكل ( قوله ويقدم الميتة على الصيد ) أي في قول أبي حنيفة ومحمد . وقال أبو يوسف والحسن : يذبح الصيد والفتوى على الأول كما في الشرنبلالية ح .

قلت : ورجحه في البحر أيضا بأن في أكل الصيد ارتكاب حرمتين الأكل والقتل ، وفي أكل الميتة ارتكاب [ ص: 563 ] حرمة الأكل فقط ا هـ والخلاف في الأولوية كما هو ظاهر قول البحر عن الخانية ، فالميتة أولى ا هـ والمراد بالحرمة والحرمتين ما هو في الأصل قبل الاضطرار إذ لا حرمة بعده ( قوله والصيد على مال الغير ) ترجيحا لحق العبد لافتقاره زيلعي . [ تنبيه ]

في البحر عن الخانية وعن بعض أصحابنا : من وجد طعام الغير لا تباح له الميتة ، وهكذا عن ابن سماعة وبشر أن الغصب أولى من الميتة ، وبه أخذ الطحاوي . وقال الكرخي هو بالخيار ( قوله ولحم الإنسان ) أي لكرامته ولأن الصيد يحل في غير الحرم أو في غير حالة الإحرام ، والآدمي لا يحل بحال ح ( قوله قيل والخنزير ) بالجر عطفا على الإنسان . وعبارة البحر عن الخانية : وعن محمد الصيد أولى من لحم الخنزير ا هـ . وأفاد الشارح ضعفها ، لكن إن كان المراد بالخنزير الميت وهو الظاهر ، فوجه الضعف ظاهر لأنه كباقي الميتة فيه ارتكاب حرمة الأكل فقط وإلا فلا لأنه صيد أيضا فاصطياد غيره أولى لأن في كل ارتكاب حرمتين ، لكن حرمته أشد ، هذا ما ظهر لي . وفي البحر عن الخانية : والكلب أولى من الصيد لأن في الصيد ارتكاب المحظورين ( قوله ولو الميت نبيا إلخ ) غير منصوص في المذهب ، بل نقله في النهر عن الشافعية ( قوله الصيد المذبوح أولى ) أي ما ذبحه محرم آخر أو ذبحه هو قبل الاضطرار لأن في أكله ارتكاب محظور واحد ، بخلاف اصطياد غيره للأكل ( قوله ويغرم أيضا إلخ ) أي يغرم الذابح قيمة ما أكله زيادة على الجزاء لو كان الأكل بعد أداء الجزاء أما قبله فيدخل ما أكل في ضمان الصيد ، فلا يجب له شيء بانفراده ، ولا فرق بين أكله وإطعام كلابه . وقالا لا يغرم بأكله شيئا ، وتمامه في النهر .

قال في اللباب : ولو أكل منه غير الذابح فلا شيء عليه ، ولو أكل الحلال مما ذبحه في الحرم بعد الضمان لا شيء عليه للأكل ( قوله والجزاء هو ما قومه عدلان ) أي ما جعله العدلان قيمة للصيد ، فما مصدرية أو ما قومه به على أنها موصولة والأول أولى فافهم . ويقوم بصفته الخلقية على الراجح كالملاحة والحسن والتصويت لا ما كانت بصنع العباد إلا في تضمين قيمته لمالكه فيقوم بها أيضا إلا إذا كانت للهو كنقر الديك ونطح الكبش فلا تعتبر كما في الجارية المغنية ، والمراد بالعدل من له معرفة وبصارة بقيمة الصيد ، لا العدل في باب الشهادة بحر ملخصا ، وأطلق في كون الجزاء هو القيمة فشمل الصيد الذي له مثل وغيره وهو قولهما ، وخصه محمد بما لا مثل له فأوجب فيما له مثل مثله ففي نحو الظبي شاة والنعامة بدنة ، وفي حمار الوحش بقرة ، وتوجيه كل في المطولات ( قوله وقيل الواحد ولو القاتل يكفي ) الأولى إسقاط قوله ولو القاتل لأنه بحث من صاحب البحر ، وقال بعده : لكنه يتوقف على نقل ولم أره . ا هـ . على أن صاحب اللباب صرح بخلافه حيث قال ويشترط للتقويم عدلان غير الجاني ، وقيل الواحد يكفي ا هـ وعكس في الهداية حيث اكتفي بالواحد ، وعبر عن المثنى بقيل ميلا إلى أن العدد في الآية للأولوية وتبعه في التبيين للزيلعي والسراج والجوهرة والكافي ، وهو ظاهر العناية أيضا فافهم وما مشى عليه المصنف واللباب استظهره في الفتح .

وقال في المعراج عن المبسوط على طريقة القياس : يكفي الواحد للتقويم كما في حقوق العباد وإن كان المثنى أحوط لكن تعتبر حكومة المثنى بالنص ا هـ ومثله في غاية البيان ، ومقتضاه اختيار المثنى ، وعزا في البحر والنهر تصحيحه [ ص: 564 ] إلى شرح الدرر ، وكأنه من جهة اقتصاره عليه متناوبه اندفع اعتراض الشرنبلالي عليهما بأنه لم يصرح في الدرر بتصحيحه ، والمراد بالدرر لمنلا خسرو ومثله في درر البحار للقنوي ، ومشى في شرحها غرر الأذكار على الاكتفاء بواحد ( قوله في مقتله ) أي موضع قتله . قال في المحيط : وعلى رواية الأصل اعتبر مع المكان الزمان في اعتبار القيمة ، وهو الأصح نهر ( قوله فأو للتوزيع إلخ ) أي أن المعتبر هو مكانه إن كان يباع فيه الصيد وإلا فالمعتبر هو أقرب مكان يباع فيه ، لا أن العدلين يخيران في تقويمه مطلقا .




الخدمات العلمية