الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) الإشهاد فليس بشرط لصحة الطلب حتى لو طلب على المواثبة ولم يشهد صح طلبه فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى - جلت عظمته - وإنما الإشهاد للإظهار عند الخصومة على تقدير الإنكار ; لأن من الجائز أن المشتري لا يصدق الشفيع في الطلب أو لا يصدق في الفور ويكون القول قوله ، فيحتاج إلى الإظهار بالبينة عند القاضي على تقدير عدم التصديق ; لأنه شرط صحة الطلب .

ونظيره من أخذ لقطة ليردها على صاحبها فهلكت في يده لا ضمان عليه فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى ، وإنما الحاجة إلى الإشهاد عند أبي حنيفة رضي الله عنه لتوثيق الأخذ للرد على تقدير الإنكار ; إلا أنه شرط البراءة عن الضمان حتى لو صدقه صاحبها في ذلك ثم طلب منه الضمان ليس له ذلك بالإجماع كذا هذا وإذا طلب على المواثبة ; فإن كان هناك شهود أشهدهم وتوثق الطلب ، وإن لم يكن بحضرته من يشهده فبعث في طلب شهود لم تبطل شفعته لما قلنا أن الإشهاد لإظهار الطلب عند الحاجة ، لكن يصح الإشهاد على الطلب على رواية الفور [ ص: 18 ] فبطلت الشهادة على الفور ضرورة .

وعلى رواية المجلس إذا قال - وهو في المجلس - : ادعوا لي شهودا أشهدهم فجاء الشهود فأشهدهم صح وتوثق الطلب ; لأن المجلس قائم ، ولو أخبر ببيع الدار فقال : الحمد لله قد ادعيت شفعتها ، أو سبحان الله قد ادعيت شفعتها فهو على شفعته على رواية محمد ; لأن هذا يذكر لافتتاح الكلام تبركا به فلا يكون دليل الإعراض عن الطلب .

وكذا إذا سلم أو شمت العاطس ; لأن ذلك ليس بعمل يدل على الإعراض ; ولهذا لم يبطل به خيار المخيرة ، وكذلك إذا قال من ابتاعها وبكم بيعت ؟ لأن الإنسان قد يرضى بمجاورة إنسان دون غيره وقد تصلح له الدار بثمن دون غيره فكان السؤال عن حال الجار ومقدار الثمن من مقدمات الطلب لا إعراضا عنه ، وهذا كله على رواية اعتبار المجلس ، فأما على رواية اعتبار الفور تبطل شفعته في هذه المواضع لانقطاع الفور من غير ضرورة ، ولو أخبر بالبيع وهو في الصلاة فمضى فيها فالشفيع لا يخلو من أن يكون في الفرض أو في الواجب أو في السنة أو في النفل المطلق فإن كان في الفرض لا تبطل شفعته ; لأن قطعها حرام فكان معذورا في ترك الطلب ، وكذا إذا كان في الواجب ; لأن الواجب ملحق بالفرض في حق العمل ، وإن كان في السنة فكذلك ; لأن هذه السنن الراتبة في معنى الواجب سواء كانت السنة ركعتين أو أربعا كالأربع قبل الظهر حتى لو أخبر بعدما صلى ركعتين فوصل بهما الشفع الثاني لم تبطل شفعته ; لأنها بمنزلة صلاة واحدة واجبة .

وقال محمد : إذا بلغ الشفيع البيع فصلى بعد الجمعة أربعا لم تبطل شفعته ، وإن صلى أكثر من ذلك بطلت شفعته ; لأن الأربع بتسليمة واحدة سنة فصار كالركعتين والزيادة عليها ليست بسنة ، وذكر محمد رحمه الله في المخيرة إذا كانت في صلاة النفل فزادت على ركعتين بطل خيارها ; لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة ، والغائب إذا علم بالشفعة فهو مثل الحاضر في الطلب والإشهاد ; لأنه قادر على الطلب الذي يتأكد به الحق وعلى الإشهاد الذي يتوثق به الطلب .

ولو وكل الغائب رجلا ليأخذ له بالشفعة فذلك طلب منه ; لأن في التوكيل طلبا وزيادة ، وإذا طلب الغائب على المواثبة وأشهد فله بعد ذلك من الأجل مقدار المسافة التي يأتي إلى حيث البائع أو المشتري أو الدار لا زيادة عليه ; لأن تأجيل هذا القدر للضرورة ولا ضرورة للزيادة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث