الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( وأما ) تفسير العيب الذي يوجب الخيار ، وتفصيل المفسر ، فكل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصانا فاحشا أو يسيرا ، فهو عيب يوجب الخيار ، وما لا فلا نحو العمى والعور والحول والقبل ، وهو نوع من الحول مصدر الأقبل ، وهو الذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه ، والسبل ، وهو زيادة في الأجفان ، والعشا مصدر الأعشى ، وهو الذي لا يبصر بالليل ، والخوص مصدر الأخوص ، وهو غائر العين ، والحوص مصدر الأحوص ، وهو الضيق مؤخر العين ، والغرب وهو ورم في الآماق ، وهي أطراف العين التي تلي الأنف ، وقيل هو درور الدمع دائما ، والظفرة ، وهي التي يقال لها بالفارسية ناخنه ، والشتر ، وهو انقلاب جفن العين والبرص والقرع ، والسلع والشلل والزمانة ، والفدع ، وهو اعوجاج في الرسغ من اليد أو الرجل والفجج مصدر الأفجج ، وهو الذي يتدانى عقباه ، وينكشف ساقاه في المشي ، والصكك مصدر الأصك ، وهو الذي تصطك ركبتاه .

                                                                                                                                والحنف مصدر الأحنف ، وهو الذي أقبلت إحدى إبهام رجليه على الأخرى ، والبزا مصدر الأبزى ، وهو خروج الصدر ، والعسر مصدر الأعسر ، وهو الذي يعمل بشماله ، والإصبع الزائدة والناقصة والسن الشاغية والسوداء والناقصة والظفر الأسود ، والبخر ، وهو نتن الفم في الجواري لا في العبيد إلا أن يكون فاحشا ; لأنه حينئذ يكون عن داء ، والزفر ، وهو نتن الإبط في الجارية لا في الغلام إلا أن يفحش ، فيكون عيبا فيهما جميعا ، والأدر مصدر الأدرة ، وهو الذي به أدرة يقال لها بالفارسية : فتح ، والرتق وهو انسداد فرج الجارية والفتق وهو انفتاح فرجها والقرن ، وهو في النساء كالأدرة في الرجال والشمط ، والشيب في الجواري والعبيد والسلول والقروح والشجاج والأمراض كلها والحبل في الجواري لا في البهائم ; لأنه زيادة في البهيمة ، وحذف الحروف في المصحف الكريم أو في بعضه ، والزنا في الجارية لا في الغلام ; لأنه يفسد الفراش ، وقد يقصد الفراش في الإماء بخلاف الغلام إلا إذا فحش .

                                                                                                                                وصار اتباع النساء عادة له ، فيكون عيبا فيه أيضا ; لأنه يوجب تعطيل منافعه على المولى ، وكذا إذا ظهر وجوب الحد عليه ، فهو عيب ، وقال بعض مشايخنا : ببلخ : الزنا يكون عيبا في الغلام أيضا ; لأنه لا يؤتمن على أهل البيت ، فلا يستخدم [ ص: 275 ] وهذا ليس بسديد ; لأن الغلام الكبير لا يشترى للاستخدام في البيت بل للأعمال الخارجة ، وكون المشترى ولد الزنا في الجارية لا في العبيد لما ذكرنا أنه قد يقصد الفراش من الجواري ، فإذا جاءت بولد يعير ولده بأمه بخلاف الغلام ; لأنه يشترى للخدمة عادة ، والكفر في الجارية والغلام عيب ; لأن الطبع السليم ينفر عن صحبة الكافر .

                                                                                                                                ( وأما ) الإسلام ، فليس بعيب بأن اشترى نصراني عبدا ، فوجده مسلما ; لأن الإسلام زيادة ، والنكاح في الجارية والغلام ; لأن منافع البضع مملوكة للزوج ، والعبد يباع في المهر والنفقة ، فيوجب ذلك نقصانا في ثمنهما ، والعدة من طلاق رجعي لا من طلاق بائن أو ثلاث ; لأن الرجعي لا يوجب زوال الملك بخلاف البائن ، والثلاث ، واحتباس الحيضة في الجارية البالغة مدة طويلة شهران فصاعدا ، والاستحاضة ; لأن ارتفاع الحيض في أوانه لا يكون إلا لداء عادة ، وكذا استمرار الدم في أيام الطهر ، والإحرام في الجارية ليس بعيب ; لأن المشتري يملك إزالته ، فإن له أن يحللها ، والحرمة بالرضاع أو الصهرية ليس بعيب فيها ; لأن الجواري لا يشترين للاستمتاع عادة بل للاستخدام في البيت ، وهذه الحرمة لا تقدح في ذلك بخلاف النكاح حيث يكون عيبا ، وإن لم يثبت به إلا حرمة الاستمتاع ; لأنه يخل بالاستخدام .

                                                                                                                                والثيابة في الجارية ليس بعيب إلا أن يكون اشتراها على شرط البكارة ، فيردها بعد الشرط ، والدين والجناية ; لأنه يدفع بالجناية ، ويباع بالدين ، والجهل بالطبخ والخبز في الجارية ليس بعيب ; لأنه لا يوجب نقصان الثمن في عادة التجار بل هو حرفة بمنزلة الخياطة ونحوها ، فانعدامه لا يكون عيبا إلا أن يكون ذلك مشروطا في العقد ، فيردها لفوات الشرط لا للعيب ، ولو كانت تحسن الطبخ والخبز في يد البائع ، ثم نسيت في يده ، فاشتراها فوجدها لا تحسن ذلك ردها ، وإن لم يكن ذلك مشروطا في العقد ; لأنها إذا كانت تحسن ذلك في يد البائع ، وهي صفة مرغوبة تشترى لها الجارية عادة .

                                                                                                                                فالظاهر أنه إنما اشتراها رغبة فيها ، فصارت مشروطة دلالة ، فيردها لانعدام المشروط ، كما لو شرط ذلك نصا ، وانعدام الختان في الغلام والجارية إذا كانا مولودين كبيرين ، فإن كانا مولودين صغيرين ، فليس بعيب ; لأن الختان في حالة الكبر فيه زيادة ألم ، وهذا الذي ذكر في الجارية في عرف بلادهم ; لأنهم يختنون الجواري ، فأما في عرف ديارنا ، فالجارية لا تختن ، فعدم الختان فيها لا يكون عيبا أصلا ، وإن كان الغلام كبيرا حربيا لا يكون عيبا ; لأنه فيه ضرورة ; لأن أكثر الرقيق يؤتى به من دار الحرب ، وأهل الحرب لا ختان لهم ، فلو جعل ذلك عيبا يرد به لضاق الأمر على الناس ، ولأن الختان إذا لم يكن من فعل أهل دار الحرب وعادتهم ، ومع ذلك اشتراه كان ذلك منه دلالة الرضا بالعيب ، والإباق والسرقة والبول في الفراش والجنون ; لأن كل ، واحد منها يوجب النقصان في الثمن في عادة التجار نقصانا ، فاحشا ، فكان عيبا إلا أنه هل يشترط في هذه العيوب الأربعة اتحاد الحالة ؟ .

                                                                                                                                وهل يشترط ثبوتها عند المشتري بالحجة لثبوت حق الرد ؟ فسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ، والحنف مصدر الأحنف من الخيل ، وهو الذي إحدى عينيه زرقاء ، والأخرى كحلاء ، والصدف مصدر الأصدف ، وهو الدابة التي يتدانى فخذاها ، ويتباعد حافراها ، ويلتوي رسغاها ، والعزل مصدر الأعزل ، وهو من الدواب الذي يقع ذنبه من جانب عادة لا خلقة ، والمشش ، وهو ارتفاع العظم لآفة أصابته ، والجرد مصدر الأجرد ، وهو من الإبل الذي أصابه انقطاع عصب من يده أو رجله ، فهو ينقصها إذا سار ، والحران ، والحرون مصدر الحرون ، وهو الذي يقف ، ولا ينقاد للسائق ، ولا للقائد ، والجماح والجموح مصدر الجموح ، وهو أن يشتد الفرس ، فيغلب راكبه ، وخلع الرسن ظاهر ، وبل المخلاة كذلك ، والهشم في الأواني ، والصدع في الحوائط والجذوع ، ونحوها من العيوب ، فأنواع العيوب فيها كثيرة لا وجه لذكرها ههنا كلها ، والتعويل في الباب على عرف التجار ، فما نقص الثمن في عرفهم ، فهو عيب يوجب الخيار ، وما لا فلا ، والله عز وجل أعلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية