الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مباحث اللغة

جزء التالي صفحة
السابق

[ أمور مهمة تتعلق بمباحث اللغة ]

ثم الكلام في مهمات :

الأول : في الوضع وهو يطلق على أمرين :

أحدهما : جعل اللفظ دليلا على المعنى كتسمية الإنسان ولده زيدا ، وكإطلاقهم على الحائط مثلا الجدار ، وما في معناه ، وذلك بأن يخطر المعنى ببال الواضع فيستحضر لفظا يعبر به عن ذلك المعنى ، ثم يعرفه غيره بطريق من الطرق ، فمن تكلم بلغته يجب أن يحمله على ذلك المعنى عند عدم القرائن .

والثاني : غلبة استعمال اللفظ على المعنى حتى يصير هو المتبادر إلى الذهن حال التخاطب به ، وذلك في العرف الشرعي ، والعرف العام والخاص .

[ العرف الشرعي ]

أما العرف الشرعي : فكإطلاقهم الصلاة على الحركات المخصوصة ، [ ص: 231 ] والصوم على الإمساك المخصوص ، والزكاة على إخراج مخصوص ، فإن الشارع لم يضع اللفظ لهذه المعاني ، وإنما استعمله فيها من غير وضع ، وتكرر الاستعمال فيها حتى صارت هي المتبادرة إلى الذهن حال التخاطب .

[ العرف العام ]

وأما العرف العام : فكإطلاقهم الدابة على ذوات الأربع أو على دابة مخصوصة عند قوم كالفرس والحمار ، ومفهوم الدابة في اللغة لكل ذات دبت سواء ذوات الأربع وغيرها ، وأهل العرف لم يضعوا اللفظ لهذا المعنى الذي هو ذوات الأربع ، وإنما غلب استعمالهم للفظ الدابة ، حتى صار هو المتبادر إلى الذهن حالة التخاطب .

[ العرف الخاص ]

وأما العرف الخاص : فكاصطلاح كل ذي علم على ألفاظ خصوها بمعان مخالفة للمفهوم اللغوي ، كاصطلاح المتكلم في الجوهر والعرض ، واصطلاح الفقيه في الجمع والفرق ، واصطلاح الجدلي في الكسر والنقض والقلب ، واصطلاح النحوي في الرفع والنصب والجر ، فجميع هذه الطوائف لم يضعوا هذه الألفاظ لتلك المعاني المخصوصة ، وإنما استعملوها استعمالا غالبا حتى صارت هي المتبادرة إلى الذهن حالة التخاطب ، فهذا هو معنى الوضع في العرف الشرعي والعام والخاص ، وزاد بعضهم للوضع معنى ثالثا وهو استعمال اللفظ في المعنى ولو مرة واحدة ، وهذا هو معنى قولهم : المجاز هل من شرطه أن يكون موضوعا أم لا ؟ وفيه قولان مبنيان على أن المجاز [ ص: 232 ] هل من شرطه أن يكون مسموعا أو لا ؟ . ويتعلق بالوضع مباحث :

أحدها في شروطه : وهي ثلاثة :

أحدها : أن لا يبتدئه بما يخالفه .

ثانيها : أن لا يختمه بما يخالفه .

ثالثها : أن يكون صادرا عن قصد فلا اعتبار بكلام الساهي والنائم وعلى السامع التنبه لهذه الشروط . وقد حكى الروياني عن صاحب الحاوي " فيما إذا قال لزوجته : طلقتك ، ثم قال : سبق لساني ، وإنما أردت طلبتك ، أن المرأة إذا ظنت صدقه بأمارة فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه ، وأنه من عرف ذلك منه إذا عرف الحال يجوز أن يقبل قوله ، ولا يشهد عليه .

قال الروياني وهذا هو الاختيار .

الثاني في سببه : وهو أن الله تعالى خلق النوع الإنساني وصيره محتاجا إلى أمور لا يستقل بها ، بل يفتقر إلى المعاونة عليها ، ولا بد للمعاون من الاطلاع على ما في النفس ، وذلك إما باللفظ أو الإشارة أو المثال ، واللفظ أيسر لما سيأتي . فالحاجة داعية إلى الوضع لأجل الإفهام بالمخاطبة ، ويلزم من ذلك كلما اشتدت الحاجة إلى التعبير عنه أنه يوضع له ، وإلا كان ذلك مخلا بمقصود الوضع الذي ذكرناه ، وما لا تشتد الحاجة إليه جاز فيه الأمران يعني الوضع وعدم الوضع ، أما عدم الوضع ، فلأنه ليس مما تدعو الحاجة إليه ، وأما الوضع فللفوائد الحاصلة به . [ ص: 233 ]

[ الموضوع ]

الثالث : في الموضوع ، وهو اللغات على اختلافها ، وفيه نظر أن

أحدهما : نظر كلي يشترك فيه كل اللغات ، وهو من وجوه يعرف في علم آخر .

والثاني : فيما يختص بآحاد اللغات . ولما جاءت شريعتنا بلغة العرب وجب النظر فيها ، وكيفية دلالتها من حيث صيغها ، ومن لطف الله تعالى حدوث الموضوعات ، لأنها أكثر إفادة من هذه الثلاثة وأيسرها ، أما كثرة إفادتها فلأنها تعم كل معلوم موجود ومعدوم وغيره بخلاف الإشارة ، فإنها تختص بالموجود المحسوس ، وبخلاف المثال ، وهو أن يجعل لما في الضمير شكلا لتعذره ، وأما كونها أيسر فلأنها موافقة للأمر الطبيعي ، لأن الحروف كيفيات تعرض للنفسي الضروري .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث