الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 241 ] ذكر ملك خوارزم شاه الطالقان

لما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار عنها إلى ميهنة وأندخوي [ وكتب ] إلى سونج أمير أشكار ، نائب غياث الدين محمود بالطالقان ، يستميله ، فعاد الرسول خائبا لم يجبه سونج إلى ما أراد منه ، وجمع عسكره وخرج يحارب خوارزم شاه ، فالتقوا بالقرب من الطالقان .

فلما تقابل العسكران حمل سونج وحده مجدا حتى قارب عسكر خوارزم شاه ، فألقى نفسه إلى الأرض ، ورمى سلاحه عنه ، وقبل الأرض ، وسأل العفو ، فظن خوارزم شاه أنه سكران ، فلما علم أنه صاح ذمه وسبه ، وقال : من يثق بهذا وأشباهه ! ولم يلتفت إليه ، وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول ، وحمله رسالة تتضمن التقرب إليه والملاطفة له ، واستناب بالطالقان بعض أصحابه ، وسار إلى قلاع كالورين وبيوار ، فخرج إليه حسام الدين علي بن أبي علي ، صاحب كالورين ، وقاتله على رءوس الجبال ، فأرسل إليه خوارزم شاه يتهدده إن لم يسلم إليه ، فقال : أما أنا فمملوك ، وأما هذه الحصون فهي أمانة بيدي ، ولا أسلمها إلا إلى صاحبها ، فاستحسن خوارزم شاه منه هذا ، وأثنى عليه ، وذم سونج .

ولما بلغ غياث الدين خبر سونج ، وتسليمه الطالقان إلى خوارزم شاه ، عظم عنده وشق عليه ، فسلاه أصحابه ، وهونوا الأمر .

ولما فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة ، فنزل بظاهرها ، ولم يمكن ابن خرميل أحدا من الخوارزميين أن يتطرق بالأذى إلى أهلها ، وإنما كانوا يجتمع منهم الجماعة بعد الجماعة ، فيقطعون الطريق ، وهذه عادة الخوارزميين .

ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا ، ورأى الناس عجبا ، وذلك أن الخوارزميين لا يذكرون غياث الدين الكبير والد غياث الدين هذا ، ولا يذكرون أيضا شهاب الدين أخاه ، وهما حيان ، إلا بالغوري ، وصاحب غزنة ، وكان وزير [ ص: 242 ] خوارزم شاه الآن ، مع عظم شأنه وقلة شأن غياث الدين هذا ، لا يذكره إلا بمولانا السلطان مع ضعفه وعجزه وقلة بلاده .

وأما ابن خرميل فإنه سار من هراة في جمع من عسكر خوارزم شاه ، فنزل على أسفزار في صفر ، وكان صاحبها قد توجه إلى غياث الدين فحصرها وأرسل إلى من بها يقسم بالله لئن سلموها أن يؤمنهم ، وإن امتنعوا أقام عليهم إلى أن يأخذهم ، فإذا أخذهم قهرا لا يبقي على كبير ولا صغير ، فخافوا ، فسلموها في ربيع الأول ، فأمنهم ولم يتعرض إلى أهلها بسوء ، فلما أخذها أرسل إلى حرب بن محمد - صاحب سجستان - يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له ببلاده ، فأجابه إلى ذلك ، وكان غياث الدين قد راسله قبل ذلك في الخطبة والدخول في طاعته ، فغالطه ولم يجبه إلى ما طلب .

ولما كان خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الذي كان ابن خرميل قد أخرجه من هراة في العام الماضي ، وسار إلى غياث الدين ، فعاد الآن من عنده ، فلما وصل قال ابن خرميل لخوارزم شاه : إن هذا يميل إلى الغورية ، ويريد دولتهم ، ووقع فيه ، فسجنه خوارزم شاه بقلعة زوزن ، وولى القضاء بهراة الصفي أبا بكر بن محمد السرخسي ، وكان ينوب عن صاعد وابنه في القضاء بهراة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث