الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير

أما قوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) فهو كالجواب عن سؤال يذكر ، وهو أن التكليف وإن كان تشريفا واجبا كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس ؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : كيف قال الله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وهاهنا سؤالات :

السؤال الأول : ما الحرج في أصل اللغة ؟ الجواب : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل : ما تعدون الحرج فيكم ؟ قال : الضيق . وعن عائشة رضي الله عنها : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : الضيق .

السؤال الثاني : ما المراد من الحرج في الآية ؟ الجواب : قيل هو الإتيان بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا ومن لم يستطع ذلك فليوم ، وأباح للصائم الفطر في السفر والقصر فيه . وأيضا فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجا منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما : " إنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضى بين الناس " وعن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ثلاثا لم يعطهن إلا للأنبياء : " جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال : ادعوني أستجب لكم " .

السؤال الثالث : استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف ما لا يطاق ، فقالوا : لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج ، وذلك منفي بصريح هذا النص . والجواب : لما أمره بترك الكفر ، وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلا ، فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلا وذلك من أعظم الحرج ، ولما استوى القدمان زال السؤال . [ ص: 65 ]

الموجب الثاني لقبول التكليف: قوله : ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) وفي نصب الملة وجهان :

أحدهما وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها ، كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

والثاني: أن يكون منصوبا على المدح والتعظيم أي: أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم . واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيرورتهم منقادين لقبول هذا الدين ، وهاهنا سؤالات:

السؤال الأول: لم قال: ( ملة أبيكم إبراهيم ) ولم يدخل في الخطاب المؤمنين الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده؟ والجواب من وجهين.

أحدهما: لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب ، جاز ذلك.

وثانيهما وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده، ومنه قوله تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) [الأحزاب: 6] فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة ، على ما قال تعالى : ( وأزواجه أمهاتهم ) [الأحزاب: 6].

السؤال الثاني: هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ، ويؤكده قوله تعالى : ( أن اتبع ملة إبراهيم ) [النحل: 123]؟ الجواب: هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان، فكأنه تعالى قال: عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم , فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع.

السؤال الثالث: ما معنى قوله تعالى : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) ؟ الجواب: فيه قولان، أحدهما: أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام ، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) [البقرة: 128] فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمدا بمثل ملته، وأنه ستسمى أمته بالمسلمين. والثاني: أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله : ( هو اجتباكم ) فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إن الله سماكم المسلمين من قبل " أي: في كل الكتب، وفي هذا؛ أي في القرآن . وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال: ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض، وهذا لا يليق إلا بالله، ويدل عليه أيضا قراءة أبي بن كعب "الله سماكم" والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن، وفي القرآن أيضا بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم; لأجل الشهادة المذكورة; فكما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه. وهذا هو ( العلة الثالثة ) الموجبة لقبول التكليف، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيدا علينا؟ وكيف تكون أمته شهداء على الناس؟ فقد تقدم في سورة البقرة، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة.

النوع الرابع: شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى، وهو قوله : ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) [ ص: 66 ] ويجب صرفها إلى المفروضات; لأنها هي المعهودة ( واعتصموا بالله ) أي: بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته، قال ابن عباس : "سلوا الله العصمة عن كل المحرمات" وقال القفال : اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون ( هو مولاكم ) وسيدكم والمتصرف فيكم ( فنعم المولى ونعم النصير ) فكأنه سبحانه قال: أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك. واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات من وجوه.

أحدها: أن قوله : ( لتكونوا شهداء على الناس ) يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل ; لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلا مرضيا، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد أن تكونوا جميعا صالحين عدولا، وقد علمنا أن منهم فساقا، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفاسق كونه عدلا.

وثانيها: قوله : ( واعتصموا بالله ) وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه؟

وثالثها: قوله : ( فنعم المولى ) لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم ، لما كان نعم المولى، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه; فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى، وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح . فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟ قلنا: إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعا، فيجب أن يقال: إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين; فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى .

ورابعها: أن قوله : ( سماكم المسلمين من قبل ) يدل على إثبات الأسماء الشرعية، وأنها من قبل الله تعالى ; لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص. والجواب عن الأول وهو قوله: كونه تعالى مريدا لكونه شاهدا يستلزم كونه مريدا لكونه عدلا، فنقول: إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه , فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى ، فيلزم كونه تعالى مريدا لجهل نفسه، وإن لم يكن ذلك واجبا سقط الكلام.

وأما قوله : ( واعتصموا بالله ) فيقال: هذا أيضا وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها، وخلق المشتهى وقربه منه، ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن، وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية.



"تم تفسير سورة الحج، ويتلوه تفسير سورة المؤمنون، والحمد لله رب العالمين" .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث