الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يرجى في القتل

جزء التالي صفحة
السابق

4278 حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا كثير بن هشام حدثنا المسعودي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل

التالي السابق


( أمتي هذه ) : أي الموجودون الآن وهم قرنه أو أعم ( أمة مرحومة ) : أي مخصوصة بمزيد الرحمة وإتمام النعمة ، أو بتخفيف الإصر والأثقال التي كانت على الأمم قبلها من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة ( ليس عليها عذاب في الآخرة ) : أي من عذب منهم لا يعذب مثل عذاب الكفار قال المناوي : ومن زعم أن المراد لا عذاب عليها في عموم الأعضاء لأن أعضاء الوضوء لا يمسها النار فتكلف مستغنى عنه .

وقال صاحب فتح الودود أي إن الغالب في حق هؤلاء المغفرة .

وقال القاري في المرقاة : بل غالب عذابهم أنهم مجزيون بأعمالهم في الدنيا بالمحن والأمراض وأنواع البلايا كما حقق في قوله تعالى 4 123 123 من يعمل سوءا يجز به . انتهى

( عذابها في الدنيا الفتن ) : أي الحروب الواقعة بينهم ( والزلازل ) : أي الشدائد والأهوال ( والقتل ) : أي قتل بعضهم بعضا ، وعذاب الدنيا أخف من عذاب الآخرة . قال المناوي : لأن شأن الأمم السابقة جار على منهاج العدل وأساس الربوبية وشأن هذه الأمة ماش على منهج الفضل وجود الإلهية .

قال القاري وقيل الحديث خاص بجماعة لم تأت كبيرة ويمكن أن تكون الإشارة إلى [ ص: 280 ] جماعة خاصة من الأمة وهم المشاهدون من الصحابة أو المشيئة مقدرة لقوله تعالى : 4 48 48 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقال المظهر : هذا حديث مشكل لأن مفهومه أن لا يعذب أحد من أمته صلى الله عليه وسلم سواء فيه من ارتكب الكبائر وغيره ، فقد وردت الأحاديث بتعذيب مرتكب الكبيرة اللهم إلا أن يؤول بأن المراد بالأمة هنا من اقتدى به صلى الله عليه وسلم كما ينبغي ويمتثل بما أمر الله وينتهي عما نهاه .

وقال الطيبي رحمه الله : الحديث وارد في مدح أمته صلى الله عليه وسلم واختصاصهم من بين سائر الأمم بعناية الله تعالى ورحمته عليهم وأنهم إن أصيبوا بمصيبة في الدنيا حتى الشوكة يشاكها أن الله يكفر بها في الآخرة ذنبا من ذنوبهم ، وليست هذه الخاصية لسائر الأمم ويؤيده ذكر هذه وتعقيبها بقوله مرحومة ، فإنه يدل على مزية تمييزهم بعناية الله تعالى ورحمته ، والذهاب إلى المفهوم مهجور في مثل هذا المقام ، وهذه الرحمة هي المشار إليها بقوله : 7 156 156 ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون إلى قوله : 7 157 157 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي انتهى .

قال القاري : ولا يخفى عليك أن هذا كله مما لا يدفع الإشكال فإنه لا شك عند أرباب الحال أن رحمة هذه الأمة إنما هي على وجه الكمال وإنما الكلام في أن هذا الحديث بظاهره يدل على أن أحدا منهم لا يعذب في الآخرة ، وقد تواترت الأحاديث في أن جماعة من هذه الأمة من أهل الكبائر يعذبون في النار ثم يخرجون إما بالشفاعة وإما بعفو الملك الغفار ، وهذا منطوق الحديث ومعناه المأخوذ من ألفاظه ومبناه وليس بمفهومه المتعارف المختلف في اعتباره حتى يصح قوله إن هذا المفهوم مهجور ، بل المراد بمفهومه في كلام المظهر المعلوم في العبارة ثم قول الطيبي رحمه الله ، وليست هذه الخاصية وهي كفارة الذنوب بالبلية لسائر الأمم يحتاج إلى دليل مثبت ولا عبرة بما فهم من المفهوم من قوله : عذابها في الدنيا الفتن إلى آخره ، فإنه قابل للتقييد بكون وقوع عذابها بها غالبا انتهى .

قال المنذري : في إسناده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي استشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد .

وقال العقيلي : تغير في آخر عمره في حديثه اضطراب .

وقال ابن حبان البستي : اختلط حديثه فلم يتميز فاستحق الترك . انتهى كلام [ ص: 281 ] المنذري .

والحديث أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي وفي مقدمة الفتح عبد الرحمن الكوفي المسعودي مشهور من كبار المحدثين إلا أنه اختلط في آخر عمره .

وقال أحمد وغيره من سمع منه بالكوفة قبل أن يخرج إلى بغداد فسماعه صحيح انتهى والله أعلم . [ ص: 282 ]



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث