الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط جواز إقامة الواجب في الأضحية

جزء التالي صفحة
السابق

وأما الذي يرجع إلى محل التضحية فنوعان : أحدهما : سلامة المحل عن العيوب الفاحشة ; فلا تجوز العمياء ولا العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها وهي التي لا تقدر تمشي برجلها إلى المنسك ، والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي وهي المهزولة التي لا نقي لها وهو المخ ، ومقطوعة الأذن والألية بالكلية ، والتي لا أذن لها في الخلقة .

وسئل محمد رحمه الله عن ذلك فقال : أيكون ذلك فإن كان لا يجزي ويجزي السكاء وهي صغيرة الأذن ، ولا يجوز مقطوعة إحدى الأذنين بكمالها ، والتي لها أذن واحدة خلقة .

والأصل في اعتبار هذه الشروط ما روي عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا تجزي من الضحايا أربع العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي } وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال { استشرفوا العين والأذن } أي تأملوا سلامتهما عن الآفات .

وروي { أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يضحى بعضباء الأذن } ، ولو ذهب بعض هذه الأعضاء دون بعض من الأذن والألية والذنب والعين ، ذكر في الجامع الصغير ينظر فإن كان الذاهب كثيرا يمنع جواز التضحية وإن كان يسيرا لا يمنع ; لأن اليسير مما لا يمكن التحرز عنه إذ الحيوان لا يخلو عنه عادة ، فلو اعتبر مانعا لضاق الأمر على الناس ووقعوا في الحرج .

واختلف أصحابنا في الحد الفاصل بين القليل والكثير فعن أبي حنيفة رحمه الله أربع روايات ، روى محمد رحمه الله عنه في الأصل ، وفي الجامع الصغير أنه إن كان ذهب الثلث أو أقل جاز وإن كان أكثر من الثلث لا يجوز ، وروى أبو يوسف رحمه الله أنه إن كان ذهب الثلث لا يجوز وإن كان أقل من ذلك جاز وقال أبو يوسف رحمه الله : ذكرت قولي لأبي حنيفة رحمه الله فقال : قولي مثل قولك ، وقول أبي يوسف أنه إن كان الباقي أكثر من الذاهب يجوز وإن كان أقل منه أو مثله لا يجوز .

وروى أبو عبد الله البلخي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه إذا ذهب الربع لم يجزه ، وذكر الكرخي قول محمد مع قول أبي حنيفة في روايته عنه في الأصل ، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي قوله مع قول أبي يوسف .

( وجه ) قول أبي يوسف وهو إحدى الروايات عن أبي حنيفة أن القليل والكثير من الأسماء الإضافية فما كان مضافه أقل منه يكون كثيرا وما كان أكثر منه يكون قليلا إلا أنه قد قال بعدم الجواز إذا كانا سواء احتياطا لاجتماع جهة الجواز وعدم الجواز إلا أنه يعتبر بقاء الأكثر للجواز ولم يوجد .

وروي { عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن العضباء } قال سعيد بن المسيب : العضباء التي ذهب أكثر أذنها ، فقد اعتبر النبي عليه الصلاة والسلام الأكثر ، وأما وجه رواية اعتبار الربع كثيرا فلأنه يلحق بالكثير في كثير من المواضع كما في مسح الرأس والحلق في حق المحرم ففي موضع الاحتياط أولى .

وأما وجه رواية اعتبار الثلث كثيرا فلقول النبي عليه الصلاة والسلام في باب الوصية { الثلث والثلث كثير } جعل عليه الصلاة والسلام الثلث كثيرا مطلقا ، وأما وجه رواية اعتباره قليلا فاعتباره بالوصية ; لأن الشرع جوز الوصية بالثلث ولم يجوز بما زاد على الثلث فدل أنه إذا لم يزد على الثلث لا يكون كثيرا وأما الهتماء وهي التي لا أسنان لها فإن كانت ترعى وتعتلف جازت وإلا فلا ، وذكر في المنتقى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه إن كان لا يمنعها عن الاعتلاف تجزيه وإن كان يمنعها عن الاعتلاف إلا أن يصب في جوفها صبا لم تجزه ، وقال أبو يوسف في قول لا تجزي سواء اعتلفت أو لم تعتلف ، وفي قول إن ذهب أكثر أسنانها لا تجزي كما قال في الأذن والألية والذنب ، وفي قول إن بقي من أسنانها قدر ما تعتلف تجزي وإلا فلا .

وتجوز الثولاء وهي المجنونة إلا إذا كان ذلك يمنعها عن الرعي والاعتلاف فلا تجوز لأنه يفضي إلى [ ص: 76 ] هلاكها فكان عيبا فاحشا وتجوز الجرباء إذا كانت سمينة فإن كانت مهزولة لا تجوز وتجزي الجماء وهي التي لا قرن لها خلقة ، وكذا مكسورة القرن تجزي لما روي أن سيدنا { عليا رضي الله عنه سئل عن القرن فقال : لا يضرك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن } وروي أن { رجلا من همذان جاء إلى سيدنا علي رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين البقرة عن كم ؟ قال : عن سبعة ثم قال : مكسورة القرن ؟ قال : لا ضير ثم قال : عرجاء ؟ فقال : إذا بلغت المنسك ، ثم قال سيدنا علي - كرم الله وجهه - : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن } .

فإن بلغ الكسر المشاش لا تجزيه ، والمشاش : رءوس العظام مثل الركبتين والمرفقين وتجزي الشرقاء وهي مشقوقة الأذن طولا ; وما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحى بالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة } فالخرقاء هي مشقوقة الأذن والمقابلة هي التي يقطع من مقدم أذنها شيء ولا يبان بل يترك معلقا والمدابرة أن يفعل ذلك بمؤخر الأذن من الشاة ، فالنهي في الشرقاء والمقابلة والمدابرة محمول على الندب ، وفي الخرقاء على الكثير ، على اختلاف الأقاويل في حد الكثير على ما بينا ولا بأس بما فيه سمة في أذنه ; لأن ذلك لا يعد عيبا في الشاة ، ولأنه عيب يسير أو لأن السمة لا يخلو عنها الحيوان ولا يمكن التحرز عنها .

ولو اشترى رجل أضحية وهي سمينة فعجفت عنده حتى صارت بحيث لو اشتراها على هذه الحالة لم تجزه إن كان موسرا ، وإن كان معسرا أجزأته ; لأن الموسر تجب عليه الأضحية في ذمته وإنما أقام ما اشترى لها مقام ما في الذمة فإذا نقصت لا تصلح أن تقام مقام ما في الذمة فبقي ما في ذمته بحاله .

وأما الفقير فلا أضحية في ذمته فإذا اشتراها للأضحية فقد تعينت الشاة المشتراة للقربة فكان نقصانها كهلاكها حتى لو كان الفقير أوجب على نفسه أضحية لا تجوز هذه لأنها وجبت عليه بإيجابه فصار كالغني الذي وجبت عليه بإيجاب الله - عز شأنه - .

ولو اشترى أضحية وهي صحيحة ثم أعورت عنده وهو موسر أو قطعت أذنها كلها أو أليتها أو ذنبها أو انكسرت رجلها فلم تستطع أن تمشي لا تجزي عنه ، وعليه مكانها أخرى لما بينا بخلاف الفقير .

وكذلك إن ماتت عنده أو سرقت ، ولو قدم أضحية ليذبحها فاضطربت في المكان الذي يذبحها فيه فانكسرت رجلها ثم ذبحها على مكانها أجزأه ، وكذلك إذا انقلبت منه الشفرة فأصابت عينها فذهبت والقياس أن لا يجوز .

( وجه ) القياس أن هذا عيب دخلها قبل تعيين القربة فيها فصار كما لو كان قبل حال الذبح .

( وجه ) الاستحسان أن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه لأن الشاة تضطرب فتلحقها العيوب من اضطرابها .

وروي عن أبي يوسف أنه قال : لو عالج أضحية ليذبحها فكسرت أو أعورت فذبحها ذلك اليوم أو من الغد فإنها تجزي ; لأن ذلك النقصان لما لم يعتد به في الحال لو ذبحها فكذا في الثاني كالنقصان اليسير ، والله - عز شأنه - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث