الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم النذر

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) وقت ثبوت هذا الحكم فالنذر لا يخلو إما أن يكون مطلقا ، وإما أن يكون معلقا بشرط أو مقيدا بمكان أو مضافا إلى وقت ، والمنذور لا يخلو أما إن كان قربة بدنية كالصوم والصلاة .

وأما إن كان مالية كالصدقة فإن كان النذر مطلقا عن الشرط والمكان والزمان ، فوقت ثبوت حكمه وهو وجوب المنذور به هو وقت وجود النذر ، فيجب عليه في الحال مطلقا عن الشرط والمكان والزمان ، لأن سبب الوجوب وجد مطلقا ، فيثبت الوجوب مطلقا ، وإن كان معلقا بشرط نحو أن يقول : إن شفى الله مريضي ، أو إن قدم فلان الغائب فلله علي أن أصوم شهرا ، أو أصلي ركعتين ، أو أتصدق بدرهم ، ونحو ذلك فوقته وقت الشرط ، فما لم يوجد الشرط لا يجب بالإجماع .

ولو فعل ذلك قبل وجود الشرط يكون نفلا ; لأن المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط ، وهذا لأن تعليق النذر بالشرط هو إثبات النذر بعد وجود الشرط كتعليق الحرية بالشرط إثبات الحرية بعد وجود الشرط ، فلا يجب قبل وجود الشرط ، لانعدام السبب قبله وهو النذر فلا يجوز تقديمه على الشرط ; لأنه يكون أداء قبل الوجوب وقبل وجود سبب الوجوب ، فلا يجوز كما لا يجوز التكفير قبل الحنث ; لأنه شرط أن يؤديه بعد وجود الشرط ، فيلزمه مراعاة شرطه لقوله : عليه الصلاة والسلام { المسلمون عند شروطهم } وإن كان مقيدا بمكان بأن قال : لله علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا ، أو أتصدق على فقراء بلد كذا - يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله ، وعند زفر رحمه الله لا يجوز إلا في المكان المشروط .

( وجه ) قوله أنه أوجب على نفسه الأداء في مكان مخصوص ، فإذا أدى في غيره لم يكن مؤديا ما عليه ، فلا يخرج عن عهدة الواجب ; ولأن إيجاب العبد يعتبر بإيجاب الله تعالى ، وما أوجبه الله - تعالى - مقيدا بمكان لا يجوز أداؤه في غيره كالنحر في الحرم والوقوف بعرفة ، والطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة كذا ما أوجبه العبد .

( ولنا ) أن المقصود والمبتغى من النذر هو التقرب إلى الله - عز وجل - ، فلا يدخل تحت نذره إلا ما هو قربة ، وليس في عين المكان وإنما هو محل أداء القربة فيه ، فلم يكن بنفسه قربة فلا يدخل المكان تحت نذره ، فلا يتقيد به فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة وإن كان مضافا إلى وقت بأن قال لله علي أن أصوم رجبا ، أو أصلي ركعتين يوم كذا ، أو أتصدق بدرهم في يوم كذا - فوقت الوجوب في الصدقة هو وقت وجود النذر في قولهم جميعا ، حتى يجوز تقديمها على الوقت بلا خلاف بين أصحابنا ، واختلف في الصوم والصلاة ، قال أبو يوسف : وقت الوجوب فيهما وقت وجود النذر ، وعند محمد - عليه الرحمة - وقت مجيء الوقت حتى يجوز تقديمه على الوقت في قول أبي يوسف ، ولا يجوز في قول محمد رحمه الله .

( وجه ) قول محمد أن النذر إيجاب ما شرع في الوقت نفلا ، ألا ترى أن النذر بما ليس بمشروع نفلا وفي وقت لا يتصور ، كصوم الليل وغيره لا يصح ؟ والناذر أوجب على نفسه الصوم في وقت مخصوص ، فلا يجب عليه قبل مجيئه ، بخلاف الصدقة ; لأنها عبادة مالية لا تعلق لها بالوقت ; بل بالمال فكان ذكر الوقت فيه لغوا ، بخلاف العبادة البدنية .

( وجه ) قول أبي يوسف أن الوجوب ثابت قبل الوقت المضاف إليه النذر ، فكان الأداء قبل الوقت المذكور أداء بعد الوجوب فيجوز ، والدليل على تحقق الوجوب قبل الوقت المعين وجهان : - أحدهما أن العبادات واجبة على الدوام بشرط الإمكان وانتفاء الحرج بالنصوص والمعقول .

( أما ) النصوص فقوله - عز شأنه - : { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير } وقوله تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } ونحو ذلك .

( وأما ) المعقول فهو أن العبادة ليست إلا خدمة المولى ; وخدمة المولى على العبد مستحقة ، والتبرع من العبد على المولى محال ، والعبودية دائمة فكان وجوب العبادة عليه دائما ; ولأن العبادات وجبت شكرا للنعمة ، والنعمة دائمة ، فيجب أن يكون شكرها دائما حسب دوام النعمة ، إلا أن الشرع رخص للعبد تركها في بعض الأوقات ، فإذا نذر فقد اختار العزيمة ، وترك الرخصة ، فيعود حكم العزيمة كالمسافر إذا اختار صوم رمضان فصام ، سقط عنه الفرض ; لأن الواجب عليه هو الصوم ، إلا أنه رخص له تركه لعذر السفر ، فإذا صام فقد اختار العزيمة وترك الرخصة فعاد حكم العزيمة ، لهذا المعنى كان الشروع في نفل العبادة اللزوم في الحقيقة بما ذكرنا من الدلائل بالشروع ، إلا أنه لما شرع فقد اختار العزيمة وترك الرخص ، فعاد حكم العزيمة كذا في النذر .

والثاني أنه وجد سبب الوجوب للحال وهو [ ص: 94 ] النذر ، وإنما الأجل ترفيه يترفه به في التأخير ، فإذا عجل فقد أحسن في إسقاط الأجل فيجوز كما في الإقامة في حق المسافر لصوم رمضان ، وهذا لأن الصيغة صيغة إيجاب ، أعني قوله : لله علي أن أصوم والأصل في كل لفظ موجود في زمان اعتباره فيه فيما يقتضيه في وضع اللغة ، ولا يجوز إبطاله ولا تغييره إلى غير ما وضع له إلا بدليل قاطع أو ضرورة داعية ، ومعلوم أنه لا ضرورة إلى إبطال هذه الصيغة ، ولا إلى تغييرها ، ولا دليل سوى ذكر الوقت ، وأنه محتمل قد يذكر للوجوب فيه ، كما في باب الصلاة ، وقد يذكر لصحة الأداء كما في الحج والأضحية ، وقد يذكر للترفيه والتوسعة كما في وقت الإقامة للمسافر ، والحول في باب الزكاة ، فكان ذكر الوقت في نفسه محتملا ، فلا يجوز إبطال صيغة الإيجاب الموجود للحال مع الاحتمال ، فبقيت الصيغة موجبة وذكر الوقت للترفيه والتوسعة ; كي لا يؤدي إلى إبطال الثابت بيقين إلى أمر محتمل ، وبه تبين أن هذا ليس بإيجاب صوم رجب عينا ; بل هو إيجاب صوم مقدر بالشهر ، أي شهر كان ، فكان ذكر رجب لتقرير الواجب لا للتعيين ، فأي شهر اتصل الأداء به تعين ذلك الشهر للوجوب فيه ، وإن لم يتصل به الأداء إلى رجب تعين رجب ، لوجوب الأداء فيه ، فكان تعيين كل شهر قبل رجب باتصال الأداء به ، وتعيين رجب بمجيئه قبل اتصال الأداء بشهر قبله كما في باب الصلاة أنها تجب في جزء من الوقت غير معين .

وإنما يتعين الوجوب بالشروع إن شرع فيها ، وإن لم يشرع إلى آخر الوقت تعين آخر الوقت للوجوب وهو الصحيح من الأقاويل على ما عرف في أصول الفقه ، وكما في النذر المطلق عن الوقت ، وسائر الواجبات المطلقة عن الوقت من قضاء رمضان والكفارة وغيرهما ، أنها تجب في مطلق الوقت في غير تعيين ، وإنما يتعين الوجوب إما باتصال الأداء به ، وإما بآخر العمر إذا صار إلى حال لو لم يؤد لفات بالموت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث