الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة من تقبل منه الجزية

جزء التالي صفحة
السابق

( 7640 ) مسألة قال ( ولا تقبل الجزية إلا من يهودي ، أو نصراني ، أو مجوسي ، إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه ) وجملته أن الذين تقبل منهم الجزية صنفان ، أهل كتاب ، ومن له شبهة كتاب ، فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم ، كالسامرة يدينون بالتوراة ، ويعملون بشريعة موسى عليه السلام ، وإنما خالفوهم في فروع دينهم .

وفرق النصارى من اليعقوبية ، والنسطورية ، والملكية ، والفرنج والروم ، والأرمن ، وغيرهم ، ممن دان بالإنجيل ، ومن عدا هؤلاء من الكفار ، فليس من أهل الكتاب ، بدليل قول الله تعالى : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } .

واختلف أهل العلم في الصابئين ، فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى . وقال في موضع آخر : بلغني أنهم يسبتون ، فهؤلاء إذا أسبتوا فهم من اليهود .

وروي عن عمر ، أنه قال : هم يسبتون وقال مجاهد هم بين اليهود والنصارى . وقال السدي والربيع هم من أهل الكتاب .

وتوقف الشافعي في أمرهم والصحيح أنه ينظر فيهم ، فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في نبيهم وكتابهم فهم منهم ، وإن خالفوهم في ذلك ، فليس هم من أهل الكتاب [ ص: 264 ] ويروى عنهم أنهم يقولون : إن الفلك حي ناطق ، وإن الكواكب السبعة آلهة . فإن كانوا كذلك ، فهم كعبدة الأوثان .

وأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود ، فلا تقبل منهم الجزية لأنهم من غير الطائفتين ، ولأن هذه الصحف لم تكن فيها شرائع ، إنما هي مواعظ وأمثال ، كذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم صحف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ذر .

وأما الذين لهم شبهة كتاب فهم المجوس فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع ، فصار لهم بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم ، وأخذ الجزية منهم .

ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم دليل .

هذا قول أكثر أهل العلم ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب ، وتحل نساؤهم وذبائحهم .

لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : أنا أعلم الناس بالمجوس ، كان لهم علم يعلمونه ، وكتاب يدرسونه ، وإن ملكهم سكر ، فوقع على بنته أو أخته ، فاطلع عليه بعض أهل مملكته ، فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد ، فامتنع منهم ، ودعا أهل مملكته ، وقال : أتعلمون دينا خيرا من دين آدم ، وقد أنكح بنيه بناته ، فأنا على دين آدم قال : فتابعه قوم ، وقاتلوا الذين يخالفونهم ، حتى قتلوهم ، فأصبحوا وقد أسري بكتابهم ، ورفع العلم الذي في صدورهم ، فهم أهل كتاب { وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وأراه قال : وعمر - منهم الجزية } . رواه الشافعي وسعيد وغيرهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { سنوا بهم سنة أهل الكتاب } . ولنا قول الله تعالى : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } . والمجوس من غير الطائفتين ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { سنوا بهم سنة أهل الكتاب } .

يدل على أنهم غيرهم وروى البخاري بإسناده عن بجالة ، أنه قال : ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس ، حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أخذها من مجوس هجر ، } ولو كانوا أهل كتاب ، لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم مع أمر الله تعالى بأخذ الجزية من أهل الكتاب ، وما ذكروه هو الذي صار لهم به شبهة الكتاب .

وقد قال أبو عبيد : لا أحسب ما رووه عن علي في هذا محفوظا ، ولو كان له أصل ، لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم نساءهم ، وهو كان أولى بعلم ذلك . ويجوز أن يصح هذا مع تحريم نسائهم وذبائحهم ، لأن الكتاب المبيح لذلك هو الكتاب المنزل على إحدى الطائفتين ، وليس هؤلاء منهم ، ولأن كتابهم رفع ، فلم ينتهض للإباحة ، ويثبت به حقن دمائهم .

فأما قول أبي ثور في حل ذبائحهم ونسائهم ، فيخالف الإجماع ، فلا يلتفت إليه ، وقوله عليه السلام : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) في أخذ الجزية منهم .

إذا ثبت هذا ، فإن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس ثابت [ ص: 265 ] بالإجماع .

لا نعلم في هذا خلافا ، فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ذلك ، وعمل به الخلفاء الراشدون ، ومن بعدهم إلى زمننا هذا ، من غير نكير ولا مخالف ، وبه يقول أهل العلم من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرهم مع دلالة الكتاب على أخذ الجزية من أهل الكتاب ودلالة السنة على أخذ الجزية من المجوس بما روينا من قول المغيرة لأهل فارس : { أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده ، أو تؤدوا الجزية } وحديث بريدة وعبد الرحمن بن عوف وقول النبي صلى الله عليه وسلم { سنوا بهم سنة أهل الكتاب } ولا فرق بين كونهم عجما أو عربا .

وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف : لا تؤخذ الجزية من العرب لأنهم شرفوا بكونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم ولنا عموم الآية ، { وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فأخذ أكيدر دومة فصالحه على الجزية وهو من العرب } رواه أبو داود { وأخذ الجزية من نصارى نجران ، وهم عرب وبعث معاذا إلى اليمن ، فقال : إنك تأتي قوما أهل كتاب } متفق عليه . { وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا ، } وكانوا عربا .

قال ابن المنذر ولم يبلغنا أن قوما من العجم كانوا سكانا باليمن حيث وجه معاذا ولو كان ، لكان في أمره أن يأخذ من جميعهم من كل حالم دينارا ، دليل على أن العرب تؤخذ منهم الجزية .

وحديث بريدة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر من بعثه على سرية ، أن يدعو عدوه إلى أداء الجزية ، ولم يخص بها عجميا دون غيره ، وأكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو العرب ، ولأن ذلك إجماع ، فإن عمر رضي الله عنه أراد الجزية من نصارى بني تغلب فأبوا ذلك وسألوه أن يأخذ منهم مثلما يأخذ من المسلمين ، فأبى ذلك عليهم ، حتى لحقوا بالروم ، ثم صالحهم على ما يأخذه منهم عوضا عن الجزية ، فالمأخوذ منهم جزية ، غير أنه على غير صفة جزية غيرهم ، وما أنكر أخذ الجزية منهم أحد ، فكان ذلك إجماعا .

وقد ثبت بالقطع واليقين أن كثيرا من نصارى العرب ويهودهم ، كانوا في عصر الصحابة في بلاد الإسلام ، ولا يجوز إقرارهم فيها بغير جزية ، فثبت يقينا أنهم أخذوا الجزية منهم ، وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين من دخل في دينهم ، قبل تبديل كتابهم أو بعده ، ولا بين أن يكون ابن كتابيين ، أو ابن وثنيين ، أو ابن كتابي ووثني وقال أبو الخطاب : من دخل في دينهم بعد تبديل كتابهم ، لم تقبل منه الجزية ، ومن ولد بين أبوين أحدهما تقبل منه الجزية ، والآخر لا تقبل منه ، فهل تقبل منه ؟ على وجهين .

وهذا مذهب الشافعي ولنا عموم النص فيهم ، ولأنهم من أهل دين تقبل من أهله الجزية ، فيقرون بها كغيرهم ، وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه ، من بذل الجزية والتزام أحكام الملة ، لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية ، أي يلتزموا أداءها ، فما لم يوجد ذلك ، يبقوا على إباحة دمائهم وأموالهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث