الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع في آداب زيارته صلى الله عليه وسلم

ومنها : أن لا يمر بالقبر الشريف حتى يقف ويسلم على النبي- صلى الله عليه وسلم- ، سواء مر من داخل المسجد أو من خارجه ، ويكثر من قصده وزيارته .

وروى ابن أبي الدنيا عن أبي حازم أن رجلا أتاه ، فحدثه أنه رأى النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول :

قل لأبي حازم : أنت المار بي معرضا ، لا تقف تسلم علي ، فلم يدع ذلك أبو حازم منذ بلغته هذه الرؤيا .

ومنها : إكثار الصلاة والتسليم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإيثار ذلك على سائر الأذكار ما دام هناك . ومنها : اغتنام ما أمكن من الصيام ولو يسيرا من الأيام .

ومنها الحرص على فعل الصلوات الخمس بالمسجد النبوي في الجماعة ، والإكثار من النافلة مع تحري المسجد الذي كان فيه زمنه- صلى الله عليه وسلم- إلا أن يكون الصف الأول خارجه فهو أولى ، وإن أمكنه ملازمته ، وأن لا يفارقه إلا لضرورة أو مصلحة راجحة ، فليغتنم ذلك ، وكلما دخله فليجدد نية الاعتكاف ، ولله در القائل :


تمتع إن ظفرت بنيل قرب وحصل ما استطعت من ادخاره

قال أبو مخلد : كانوا يستحبون لمن أتى المساجد الثلاثة أن يختم فيها القرآن قبل أن يخرج ، رواه سعيد بن منصور .

قال أبو اليمن بن عساكر : وليحرص على المبيت بالمسجد ، ولو ليلة يحييها بالذكر . [ ص: 400 ]

والدعاء ، وتلاوة القرآن ، والتضرع إلى الله تعالى والشكر على ما أعطاه .

ومنها أن لا يستدبر القبر المقدس في صلاة ولا في غيرها من الأحوال ، ويلتزم الأدب شريعة وحقيقة في الأقوال والأفعال .

قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : وإذا أردت الصلاة فلا تجعل حجرته- صلى الله عليه وسلم- وراء ظهرك ، ولا بين يديك ، وتأدب معه بعد وفاته أدبك معه في حياته من احترامه والإطراق بين يديه ، وترك الخصام وترك الخوض فيما لا ينبغي أن يخوض فيه في مجلسه ، فإن أبيت فانصرافك خير من بقائك ، ومنها : أن يجتنب ما يفعله جهلة العوام من التقرب بأكل التمر الصيحاني في المسجد ، وإلقاء النوى به ، وقطعهم شعورهم ، ورميها في القنديل الكبير .

فقد قال الإمام النووي : إن ذلك من جهالات العوام ، وبدعهم المنكرة المستبشعة .

ومنها : إدامة النظر إلى الحجرة الشريفة ، فإنها عبادة ، قياسا على الكعبة الشريفة العظيمة ، فينبغي لمن كان بالمدينة إدامة ذلك إذا كان في المسجد ، وإدامة النظر إلى القبة الشريفة ، إذا كان خارجه مع الهيبة والحضور .

ومنها : أنه يستحب الخروج كل يوم إلى البقيع بعد السلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خصوصا يوم الجمعة ، فيقول إذا انتهى إليه : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ، اللهم لا تحرمنا أجرهم ، ولا تفتنا بعدهم ، واغفر لنا ولهم .

وقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى- : ويزور القبور الطاهرة بالبقيع ، كقبر إبراهيم بن النبي- صلى الله عليه وسلم- وعثمان والعباس والحسن بن علي وعلي بن الحسين ومحمد بن علي بن جعفر ، وجعفر بن محمد ، وغيرهم ، ويختم بصفية .

قال العلامة فضل الله ابن القاضي نصر الدين الفوري الحنفي : وإذا خرج من باب البلد يأتي قبة العباس والحسن بن علي - رضي الله تعالى عنهم- ، ويختم بزيارة صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- .

قال السيد : ولعله يكون مشهدهم أول المشاهد التي يلقاها الخارج من البلد ، فإنه يكون على يمينه ، فمجاوزتهم من غير سلام ، عليهم جفوة ، فإذا سلك تلك الطريق سلم على من يمر به بعدهم ، فيكون مروره على صفية في رجوعه ، فيختم بها .

وقال البرهان ابن فرحون : أول المشاهد وأولاها بالتقديم مشهد سيدنا أمير المؤمنين عثمان بن عفان؛ لأنه أفضل الناس بعد أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين- واختار [ ص: 401 ] بعضهم البدأة بقبر سيدنا إبراهيم ابن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- .

قال السيد : فتلخص فيمن يبدأ به ثلاثة آراء .

ويختم الزائر إذا رجع بمشهد إسماعيل بن جعفر الصادق؛ لأنه صار داخل سور المدينة ، ومشاهد البقيع كلها خارج السور ، ويذهب إلى زيارة مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ، ومشهد النفس الزكية فإنهما ليسا بالبقيع ، وهو السيد الشريف محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن- مرتين- بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم- قتل أيام أبي جعفر المنصور ، وهذا المشهد في جبل «سلع» .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث