الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قتل من صرح بسب النبي دون من عرض

جزء التالي صفحة
السابق

باب قتل من صرح بسب النبي صلى الله عليه وسلم دون من عرض 3212 - ( عن الشعبي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : { أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه ، فخنقها رجل حتى ماتت ، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذمتها } . [ ص: 223 ] رواه أبو داود ) .

3213 - ( وعن ابن عباس : { أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه ، فينهاها فلا تنتهي ، ويزجرها فلا تنزجر ، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه ، فأخذ المعول فجعله في بطنها ، واتكأ عليه فقتلها ، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فجمع الناس فقال : أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام ، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك ، فأنهاها فلا تنتهي ، وأزجرها فلا تنزجر ، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين ، وكانت بي رفيقة ، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك ، فأخذت المعول فوضعته في بطنها ، واتكأت عليه حتى قتلتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا اشهدوا أن دمها هدر } . رواه أبو داود والنسائي واحتج به أحمد في رواية أبيه عبد الله ) .

3214 - ( وعن أنس قال : { مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : السام عليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما يقول ؟ ، قال السام عليك ، قالوا يا رسول الله ألا نقتله ؟ قال : لا ، إذا سلم عليكم أهل الكتاب ، فقولوا : وعليكم } رواه أحمد والبخاري ، وقد سبق أن ذا الخويصرة قال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اعدل وأنه منع من قتله ) .

التالي السابق


حديث الشعبي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه سكت عنه أبو داود . وقال المنذري : ذكر بعضهم أن الشعبي سمع من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه . وقال غيره إنه رآه ، ورجال إسناد الحديث رجال الصحيح .

وحديث ابن عباس سكت عنه أيضا أبو داود والمنذري . وقال الحافظ في بلوغ المرام : إن رواته ثقات . والحديث الذي أشار إليه المصنف ، أعني قوله : " قال : يا رسول الله اعدل " ، قد تقدم في باب قتال الخوارج .

وفي الباب عن أبي برزة عند أبي داود والنسائي قال : " كنت عند أبي بكر فتغيظ عليه رجل ، فاشتد غضبه ، فقلت : أتأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه ؟ قال : فأذهبت كلمتي غضبه ، فقام فدخل فأرسل إلي فقال : ما الذي قلت آنفا ؟ قلت : ائذن لي أضرب [ ص: 224 ] عنقه ، قال : أكنت فاعلا لو أمرتك ؟ قلت : نعم ، قال : لا ، والله ما كان لبشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم " .

وفي حديث ابن عباس وحديث الشعبي دليل على أنه يقتل من شتم النبي صلى الله عليه وس لم . وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا وجب قتله . ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء ، فلو تاب لم يسقط عنه القتل ، لأن حد قذفه القتل ، وحد القذف لا يسقط بالتوبة ، وخالفه القفال فقال : كفر بالسب فسقط القتل بالإسلام . وقال الصيدلاني : يزول القتل ويجب حد القذف . قال الخطابي : لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما .

وقال ابن بطال : اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم ، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك : يقتل من سبه صلى الله عليه وسلم منهم إلا أن يسلم ، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة . ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهود ونحوه .

وروي عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنها ردة يستتاب منها . وعن الكوفيين وإن كان ذميا عزر ، وإن كان مسلما فهي ردة . وحكى عياض خلافا هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف ؟ ونقل عن بعض المالكية أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون له السام عليك لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه . وقيل : إنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم . وقيل : إنه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه ، ولذلك قال في الرد عليهم : وعليكم : أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به ، أشار إلى ذلك القاضي عياض وكذا من قال السأم بالهمز بمعنى السآمة : هو دعاء بأن يملوا الدين وليس بصريح في السب .

وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك من ذمي أو معاهد فترك لمصلحة التأليف هل ينتقض بذلك عهده ؟ محل تأمل . واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث أنس المذكور في الباب ، وأيده بأن هذا الكلام لو صدر من مسلم لكانت ردة ، وأما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر أشد ، فلذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم . وتعقب بأن دماءهم لم تحقن إلا بالعهد ، وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن سبه منهم تعدى العهد فينتقض فيصير كافرا بلا عهد فيهدر دمه ، إلا أن يسلم . ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا مسلما لم يقتلوا ، لأن من معتقدهم حل دماء المسلمين ومع ذلك لو قتل منهم أحد مسلما قتل .

فإن قيل : إنما يقتل بالمسلم قصاصا بدليل أنه يقتل به ، ولو أسلم ولو سب لم يقتل ، قلنا : الفرق بينهما أن قتل المسلم يتعلق بحق آدمي فلا يهدر ، وأما السب فإن وجوب القتل به يرجع إلى حق الدين فيهدمه الإسلام ، والذي يظهر أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف أو [ ص: 225 ] لكونهم لم يعلنوا به أو لهما جميعا وهو أولى كما قال الحافظ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث