الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

في مرجعه عليه الصلاة والسلام عن الطائف وقسمة غنائم هوازن التي أصابها يوم حنين

فصل في مرجعه ، عليه الصلاة والسلام ، عن الطائف وقسمة غنائم هوازن التي أصابها يوم حنين قبل دخوله مكة معتمرا من الجعرانة .

قال ابن إسحاق : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف على دحنا ، حتى نزل الجعرانة فيمن معه من المسلمين ، ومعه من هوازن سبي كثير ، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف : يا رسول الله ، ادع عليهم ، فقال : " اللهم اهد ثقيفا وائت بهم " . قال : ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة ، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري [ ص: 83 ] والنساء ومن الإبل والشاء ما لا يدرى عدته .

قال ابن إسحاق : فحدثني عمرو بن شعيب - وفي رواية يونس بن بكير عنه قال : حدثنا عمرو بن شعيب - عن أبيه ، عن جده قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين ، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم ، أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا أصل وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك ، فامنن علينا من الله عليك . وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صرد ، فقال : يا رسول الله ، إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ، ولو أنا ملحنا لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك ، رجونا عائدتهما وعطفهما ، وأنت يا رسول الله خير المكفولين . ثم أنشأ يقول :


امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وندخر     امنن على بيضة قد عاقها قدر
ممزق شملها في دهرها غير     أبقت لها الحرب هتافا على حزن
على قلوبهم الغماء والغمر [ ص: 84 ]     إن لم تداركهم نعماء تنشرها
يا أرجح الناس حلما حين يختبر     امنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ فوك تملؤه من محضها الدرر     امنن على نسوة قد كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر     لا تجعلنا كمن شالت نعامته
واستبق منا فإنا معشر زهر     إنا لنشكر آلاء وإن كفرت
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ " فقالوا : يا رسول الله ، خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا ، بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا : إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا . فإني سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم " . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر ، قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " . فقال المهاجرون : وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقالت [ ص: 85 ] الأنصار : وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الأقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا . وقال عيينة : أما أنا وبنو فزارة فلا . وقال العباس بن مرداس السلمي : أما أنا وبنو سليم فلا . فقالت بنو سليم : بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : يقول عباس بن مرداس لبني سليم : وهنتموني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه " . فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم . ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه الناس يقولون : يا رسول الله ، اقسم علينا فيئنا . حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه ، فقال : " يا أيها الناس ، ردوا علي ردائي ، فوالذي نفسي في يده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا " . ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين أصبعيه ثم رفعها وقال : " أيها الناس ، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة " . فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال : يا رسول الله ، أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي دبر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما حقي منها فلك " . فقال الرجل : أما إذا بلغ الأمر فيها إلى هذا فلا حاجة لي بها . فرمى بها من يده .
وهذا السياق يقتضي أنه [ ص: 86 ] عليه الصلاة والسلام رد إليهم سبيهم قبل القسمة ، كما ذهب إليه محمد بن إسحاق بن يسار ، خلافا لموسى بن عقبة وغيره .

وفي " صحيح البخاري " من طريق الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين ، فسألوا أن يرد إليهم أموالهم ونساءهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معي من ترون ، وأحب الحديث إلي أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين : إما السبي ، وإما المال ، وقد كنت استأنيت بكم " . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين ، قالوا : إنا نختار سبينا . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : " أما بعد ، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين ، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل " . فقال الناس : قد طيبنا ذلك يا رسول الله . فقال لهم : " إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم [ ص: 87 ] يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " . فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا . فهذا ما بلغنا عن سبي هوازن . ولم يتعرض البخاري لمنع الأقرع وعيينة وقومهما ، بل سكت عن ذلك ، والمثبت مقدم على النافي ، فكيف الساكت؟!

وقد روى البخاري من حديث الزهري أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ، أخبره جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه الناس مقفلة من حنين ، علقت الأعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه ، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " أعطوني ردائي ، فلو كان عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا " تفرد به البخاري .

وقال ابن إسحاق : وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى علي بن أبي طالب جارية يقال لها : ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة . وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها : زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان . وأعطى عمر جارية فوهبها لابنه عبد الله .

وقال ابن إسحاق : فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال : بعثت بها إلى [ ص: 88 ] أخوالي من بني جمح; ليصلحوا لي منها ويهيئوها ، حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم ، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها . قال : فجئت من المسجد حين فرغت ، فإذا الناس يشتدون ، فقلت : ما شأنكم؟ قالوا : رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وأبناءنا . قلت : تلكم صاحبتكم في بني جمح ، فاذهبوا فخذوها . فذهبوا إليها فأخذوها .

قال ابن إسحاق : وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن ، وقال حين أخذها : أرى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا ، وعسى أن يعظم فداؤها . فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض ، أبى أن يردها ، فقال له زهير بن صرد : خذها عنك ، فوالله ما فوها ببارد ، ولا ثديها بناهد ، ولا بطنها بوالد ، ولا زوجها بواجد ، ولا درها بماكد . فردها بست فرائض . قال : فزعموا أن عيينة لقي الأقرع فشكا إليه ذلك ، فقال : إنك والله ما أخذتها بيضاء غريرة ، ولا نصفا وثيرة .

قال الواقدي : ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة .

[ ص: 89 ] وقال سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن رجلا ممن شهد حنينا قال : والله إني لأسير إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة لي ، وفي رجلي نعل غليظة ، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوجعه ، فقرع قدمي بالسوط ، وقال : " أوجعتني فتأخر عني " . فانصرفت ، فلما كان من الغد إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسني . قال : قلت : هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمس . قال : فجئته وأنا أتوقع . فقال : " إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني ، فقرعت قدمك بالسوط ، فدعوتك لأعوضك منها " . فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني .

والمقصود من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة ، كما دل عليه هذا السياق وغيره ، وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الذي أورده محمد بن إسحاق عنه ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة ، ولهذا لما رد السبي وركب ، علقت الأعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون له : اقسم علينا فيئنا . حتى اضطروه إلى سمرة ، فخطفت رداءه فقال : " ردوا علي ردائي أيها الناس ، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلا [ ص: 90 ] ولا جبانا ولا كذابا " كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه .

وكأنهم خشوا أن يرد إلى هوازن أموالهم كما رد إليهم نساءهم وأطفالهم ، فسألوه قسمة ذلك فقسمها ، عليه الصلاة والسلام ، بالجعرانة كما أمره الله ، عز وجل ، وآثر أناسا في القسمة ، وتألف أقواما من رؤساء القبائل وأمرائهم ، فعتب عليه أناس من الأنصار حتى خطبهم ، وبين لهم وجه الحكمة فيما فعله; تطييبا لقلوبهم ، وتنقد بعض من لا يعلم من الجهلة والخوارج ، كذي الخويصرة وأشباهه ، قبحه الله ، كما سيأتي تفصيله وبيانه في الأحاديث الواردة في ذلك ، وبالله المستعان .

قال الإمام أحمد : حدثنا عارم ثنا معتمر بن سليمان سمعت أبي يقول : ثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال : فتحنا مكة ، ثم إنا غزونا حنينا ، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت ، فصفت الخيل ، ثم صفت المقاتلة ، ثم صفت النساء من وراء ذلك ، ثم صفت الغنم ، ثم النعم . قال : ونحن بشر كثير ، قد بلغنا ستة آلاف ، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد . قال : فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا . قال : فلم نلبث أن انكشف خيلنا ، وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس . قال : فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا للمهاجرين يا للمهاجرين يا للأنصار " . قال أنس : هذا حديث عميه . قال : [ ص: 91 ] قلنا لبيك يا رسول الله . قال : وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله . قال : فقبضنا ذلك المال ، ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ، ثم رجعنا إلى مكة . قال : فنزلنا ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل المائة . ويعطي الرجل المائة . قال : فتحدث الأنصار بينها : أما من قاتله فيعطيه ، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه! فرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أمر بسراة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه ، ثم قال : " لا يدخلن علي إلا أنصاري " أو " الأنصار " . قال : فدخلنا القبة حتى ملأناها . قال نبي الله صلى الله عليه وسلم " يا معشر الأنصار " - أو كما قال - " ما حديث أتاني؟ " قالوا : ما أتاك يا رسول الله؟ قال : " ما حديث أتاني؟ " قالوا : ما أتاك يا رسول الله؟ قال : " ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم؟ " قالوا : رضينا يا رسول الله . قال فرضوا . أو كما قال وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان . وفيه من الغريب قوله : أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف . وإنما كانوا اثني عشر ألفا ، وقوله : إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة . وإنما حاصروها قريبا من شهر ، أو دون العشرين ليلة . فالله أعلم .

وقال البخاري : ثنا عبد الله بن محمد ثنا هشام ثنا معمر عن [ ص: 92 ] الزهري حدثني أنس بن مالك قال : قال ناس من الأنصار ، حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن ، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا المائة من الإبل ، فقالوا : يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم; يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟! قال أنس بن مالك : فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم ، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة أدم ، ولم يدع معهم غيرهم ، فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ما حديث بلغني عنكم؟ " . فقال فقهاء الأنصار : أما رؤساؤنا يا رسول الله ، فلم يقولوا شيئا ، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا : يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم; يعطي قريشا ويتركنا ، وسيوفنا تقطر من دمائهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم ، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " . قالوا : يا رسول الله ، قد رضينا . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " فستجدون أثرة شديدة ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ، فإني على الحوض " . قال أنس : فلم يصبروا تفرد به البخاري من هذا الوجه .

ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عون عن هشام بن زيد عن جده أنس بن مالك قال : لما كان يوم حنين التقى هوازن ، ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء ، فأدبروا ، فقال : " يا معشر الأنصار " . قالوا : لبيك يا رسول الله وسعديك ، لبيك نحن بين يديك . فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أنا عبد الله ورسوله " . فانهزم المشركون ، فأعطى الطلقاء والمهاجرين ، ولم يعط الأنصار [ ص: 93 ] شيئا ، فقالوا ، فدعاهم فأدخلهم في قبة ، فقال : " أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون برسول الله ، صلى الله عليه وسلم؟ " . قالوا : بلى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار " وفي رواية للبخاري من هذا الوجه قال : لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء ، فأدبروا عنه حتى بقي وحده ، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما; التفت عن يمينه فقال : " يا معشر الأنصار " . قالوا : لبيك يا رسول الله ، أبشر نحن معك . ثم التفت عن يساره فقال : " يا معشر الأنصار " . قالوا : لبيك يا رسول الله ، أبشر نحن معك . وهو على بغلة بيضاء ، فنزل فقال : " أنا عبد الله ورسوله " . فانهزم المشركون ، وأصاب يومئذ غنائم كثيرة ، فقسم بين المهاجرين والطلقاء ، ولم يعط الأنصار شيئا . فقالت الأنصار : إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا . فبلغه ذلك ، فجمعهم في قبة فقال : " يا معشر الأنصار ، ما حديث بلغني؟ " فسكتوا ، فقال : " يا معشر الأنصار ، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا ، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم؟ " قالوا : بلى . فقال : " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار " . قال هشام : قلت : يا أبا حمزة وأنت شاهد ذلك؟ قال : وأين أغيب عنه؟

[ ص: 94 ] ثم رواه البخاري ومسلم أيضا من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال : " إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة ، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم ، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ " قالوا : بلى . قال : " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت وادي الأنصار " أو " شعب الأنصار " .

وأخرجاه أيضا من حديث شعبة عن أبي التياح يزيد بن حميد عن أنس بنحوه ، وفيه : فقالوا : والله إن هذا لهو العجب ، إن سيوفنا لتقطر من دمائهم ، والغنائم تقسم فيهم! فخطبهم . وذكر نحو ما تقدم .

وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ثنا حماد ثنا ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين ، فقالت الأنصار : يا رسول الله ، سيوفنا تقطر من دمائهم ، وهم يذهبون بالمغنم؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فجمعهم في قبة له حتى فاضت ، فقال : " فيكم أحد من غيركم؟ " قالوا : لا ، إلا ابن أختنا . قال : " ابن أخت القوم منهم " . ثم قال : " أقلتم كذا وكذا؟ " قالوا : نعم ، قال : " أنتم الشعار والناس الدثار ، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله [ ص: 95 ] صلى الله عليه وسلم إلى دياركم؟ " قالوا : بلى . قال : " الأنصار كرشي وعيبتي ، لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعبهم ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار " . وقال حماد : أعطى مائة من الإبل فسمى كل واحد من هؤلاء . تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو على شرط مسلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا معشر الأنصار ، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي؟ ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بي؟ ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم؟ " قالوا : بلى يا رسول الله . قال : " أفلا تقولون : جئتنا خائفا فأمناك ، وطريدا فآويناك ، ومخذولا فنصرناك؟ " قالوا : بل لله المن علينا ولرسوله . وهذا إسناد ثلاثي على شرط " الصحيحين " ، فهذا الحديث كالمتواتر عن أنس بن مالك وقد روي عن غيره من الصحابة .

فقال البخاري : ثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال : لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ، ولم يعط الأنصار شيئا ، فكأنهم وجدوا في أنفسهم ، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، فخطبهم فقال : " يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن . قال : " لو شئتم [ ص: 96 ] قلتم : جئتنا كذا وكذا ، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس واديا وشعبا ، لسلكت وادي الأنصار وشعبها ، الأنصار شعار والناس دثار ، إنكم ستلقون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " . ورواه مسلم من حديث عمرو بن يحيى المازني به .

وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم ، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم : لقي والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه . فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم . فقال : " فيم؟ " قال : فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ، ولم يكن فيهم من ذلك شيء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فأين أنت من ذلك يا سعد؟ " قال : ما أنا إلا امرؤ من قومي . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ، فإذا اجتمعوا فأعلمني " . فخرج سعد فصرخ فيهم ، فجمعهم في تلك الحظيرة ، فجاء رجال من [ ص: 97 ] المهاجرين ، فأذن لهم فدخلوا ، وجاء آخرون فردهم ، حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له ، أتاه فقال : يا رسول الله ، قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : " يا معشر الأنصار ، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ " قالوا : بلى . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ " قالوا : وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المن لله ولرسوله . قال : " أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم : جئتنا طريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك ، وخائفا فأمناك ، ومخذولا فنصرناك " . فقالوا : المن لله ولرسوله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " . قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا بالله ورسوله قسما . ثم انصرف وتفرقوا وهكذا رواه [ ص: 98 ] الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه ، وهو صحيح .

وقد رواه الإمام أحمد عن يحيى بن بكير عن الفضل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري : قال رجل من الأنصار لأصحابه : أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت الأمور قد آثر عليكم . قال : فردوا عليه ردا عنيفا . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم ، فقال لهم أشياء لا أحفظها ، قالوا : بلى يا رسول الله . قال : " وكنتم لا تركبون الخيل " . وكلما قال لهم شيئا قالوا : بلى يا رسول الله . ثم ذكر بقية الخطبة كما تقدم . تفرد به أحمد أيضا . وهكذا رواه الإمام أحمد منفردا به من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد بنحوه . ورواه أحمد أيضا عن موسى عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر مختصرا .

وقال سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق عن أبيه ، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين مائة من الإبل ، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة ، وأعطى صفوان بن أمية مائة ، وأعطى عيينة بن حصن مائة ، [ ص: 99 ] وأعطى الأقرع بن حابس مائة ، وأعطى علقمة بن علاثة مائة ، وأعطى مالك بن عوف مائة ، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة ، ولم يبلغ به أولئك ، فأنشأ يقول :


أتجعل نهبي ونهب العبيد     بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس     يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما     ومن تخفض اليوم لا يرفع
وقد كنت في الحرب ذا تدرأ     فلم أعط شيئا ولم أمنع

قال : فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة
رواه مسلم من حديث ابن عيينة بنحوه ، وهذا لفظ البيهقي . وفي رواية ذكرها موسى بن عقبة وعروة بن الزبير وابن إسحاق فقال :


كانت نهابا تلافيتها     بكري على المهر في الأجرع
وإيقاظي الحي أن يرقدوا     إذا هجع الناس لم أهجع
[ ص: 100 ] فأصبح نهبي ونهب العبيد     بين عيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدرأ     فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلا أفائل أعطيتها     عديد قوائمها الأربع
وما كان حصن ولا حابس     يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما     ومن تضع اليوم لا يرفع

قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : " أنت القائل : أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ " فقال أبو بكر : ما هكذا قال يا رسول الله ، ولكن والله ما كنت بشاعر وما ينبغي لك . فقال : " كيف قال؟ " فأنشده أبو بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هما سواء ، ما يضرك بأيهما بدأت " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقطعوا عني لسانه " . فخشي بعض الناس أن يكون أراد المثلة به ، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم العطية . قال : وعبيد فرسه .

وقال البخاري : حدثنا محمد بن العلاء ثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال : ألا [ ص: 101 ] تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له : " أبشر " . فقال : قد أكثرت علي من " أبشر " . فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال : " رد البشرى فاقبلا أنتما " . قالا : قبلنا . ثم دعا بقدح فيه ماء ، فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه ، ثم قال : " اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا " . فأخذا القدح ففعلا ، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما . فأفضلا لها منه طائفة . هكذا رواه .

وقال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي ، فجذبه جذبة شديدة ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته ، ثم قال : مر لي من مال الله الذي عندك . فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء .

وقد ذكر ابن إسحاق الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مائة من الإبل ، وهم; أبو سفيان صخر بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار ، وعلقمة بن علاثة والعلاء بن جارية الثقفي حليف بني زهرة ، والحارث بن هشام وجبير بن مطعم ومالك بن عوف النصري [ ص: 102 ] وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وعيينة بن حصن وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه : يا رسول الله ، أعطيت عيينة والأقرع مائة مائة ، وتركت جعيل بن سراقة الضمري ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض ، كلهم مثل عيينة والأقرع ولكن تألفتهما ليسلما ، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه " . .

ثم ذكر ابن إسحاق من أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون المائة ممن يطول ذكره . وفي الحديث الصحيح عن صفوان بن أمية أنه قال : ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي ، حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث