الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الزكاة

27 [ ص: 425 ] (كتاب الزكاة) ومثله في النووي .

وهي في اللغة: (النماء والتطهير) . فالمال ينمى بها، من حيث لا يرى. وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب.

وقيل: ينمي أجرها عند الله تعالى.

وسميت في الشرع: (زكاة) ، لوجود المعنى اللغوي فيها.

وقيل: لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحة إيمانه.

(باب وجوب الزكاة)

وهو في الجزء الأول من شرح النووي . قال:

(باب الدعاء إلى الشهادتين، وشرائع الإسلام) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 196-197 ج1 المطبعة المصرية

[عن ابن عباس أن معاذا: قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم: خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك، [ ص: 426 ] فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب .]

التالي السابق


(الشرح)

(عن ابن عباس ) رضي الله عنهما، وهذا الحديث متفق عليه في الصحيحين.

(أن معاذا) وفي رواية: (عن معاذ) .

قال النووي : هذا الذي فعله مسلم، نهاية التحقيق، والاحتياط، والتدقيق. فإن بين (أن وعن) ، فرقا، فإن الجماهير قالوا: " أن " "كعن"، فيحمل على الاتصال.

وقال جماعة: لا تلتحق (أن بعن) . بل تحمل "أن" على الانقطاع، ويكون مرسلا. ولكن يكون هنا مرسل صحابي، له حكم المتصل، على المشهور من مذاهب العلماء.

وفيه: قول الإسفرايني: إنه لا يحتج به. فاحتاط مسلم، وبين اللفظين. والله أعلم.

(قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

[ ص: 427 ] قال: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة: أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله") .

فيه: أن السنة، أن الكفار يدعون إلى التوحيد، قبل القتال.

وفيه: أنه لا يحكم بإسلامهم، إلا بالنطق بالشهادتين. وهذا مذهب أهل السنة، كما قدمنا بيانه في أول كتاب الإيمان.

(فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات، في كل يوم وليلة) .

فيه: أن الصلوات الخمس، تجب في كل يوم وليلة.

وفي الرواية الأخرى: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما بعث معاذا إلى اليمن قال: " إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله عز وجل. فإذا عرفوا الله فأخبرهم: أن الله فرض عليهم خمس صلوات، في يومهم وليلتهم) .

قال عياض : هذا يدل على أنهم، ليسوا بعارفين الله تعالى. وهو مذهب حذاق المتكلمين: في اليهود والنصارى؛ أنهم غير عارفين الله تعالى، وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته، لدلالة السمع عندهم [ ص: 428 ] على هذا. وإن كان العقل، لا يمنع أن يعرف الله من كذب رسولا.

قال: ما عرف الله من شبهه وجسمه من اليهود. أو أجاز عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم.

أو أضاف إليه الصاحبة والولد. أو أجاز الحلول عليه، والانتقال والامتزاج: من النصارى.

أو وصفه بما لا يليق به. أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه: من المجوس والثنوية.

فمعبودهم الذي عبدوه، ليس هو من سموه به. إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة له.

فإن ما عرفوا الله سبحانه. فتحقق هذه النكتة، واعتمد عليها. وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا.

وبها قطع الكلام أبو عمران الفارسي، بين عامة أهل القيروان، عند تنازعهم في هذه المسألة.

(فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة) أي زكاة.

وسميت صدقة: لأنها دليل لتضييق صاحبها، وصحة إيمانه، بظاهره وباطنه.

(تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم) .

[ ص: 429 ] فيه: أن الزكاة فرض، وأنها لا تدفع إلى كافر، ولا إلى غني. وهي نصيب الفقراء.

واستدل به الخطابي وغيره: على أن الزكاة، لا يجوز نقلها عن بلد المال.

قال النووي : وهذا الاستدلال ليس بظاهر؛ لأن الضمير في فقرائهم؛ محتمل لفقراء المسلمين، ولفقراء أهل تلك البلدة والناحية.

قال: وهذا الاحتمال أظهر.

قلت: لا. بل الأظهر هو الأول.

نعم: ما فضل عن فقراء تلك البلدة، فلا مضايقة في نقله. وإذا لم يفضل، فلا.

هكذا ينبغي أن يقال في هذا المقام.

قال النووي : واستدل به بعضهم، على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة: من الصلاة، والصوم، والزكاة، وتحريم الزنا، ونحوها.

قال: وهذا الاستدلال ضعيف. فإن المراد: أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها، في الدنيا.

والمطالبة في الدنيا، لا تكون إلا بعد الإسلام. وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة.

[ ص: 430 ] ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم، رتب ذلك في الدعاء إلى الإسلام. وبدأ بالأهم فالأهم.

ألا تراه بدأ بالصلاة قبل الزكاة؟ ولم يقل أحد: إنه يصير مكلفا بالصلاة، دون الزكاة.

قال: واعلم أن المختار، أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، المأمور به، والمنهي عنه. هذا قول المحققين والأكثرين.

وقيل: مخاطبون بالمنهي دون المأمور. انتهى.

قال في السيل الجرار : هذا. "يعني: الأخذ من الأغنياء والرد إلى الفقراء": متوجه إلى المكلفين، كغيره من التكاليف.

ودعوى أن غير المكلفين داخلون في هذا، مصادرة على المطلوب؛ لأنه استدلال محل النزاع.

قال: وجعل الإسلام شرطا للزوم الزكاة صواب. ولا ينافي القول؛ بأن الكفار مخاطبون بالشرعيات.

لأن معنى خطابهم بها عند من قال به، هو أنهم يعذبون بترك ما يجب فعله، وفعل ما يجب تركه.

إلا أن ذلك مطلوب منهم، في حالة كفرهم. انتهى.

(فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم.) جمع: "كريمة ".

[ ص: 431 ] قال صاحب المطالع: هي جامعة الكمال الممكن في حقها، من غزارة لبن، وجمال صورة، وكثرة لحم أو صوف.

وهكذا الرواية: (فإياك وكرائم) بالواو. وقال ابن قتيبة: ولا يجوز بحذفها.

وفيه: أنه يحرم على الساعي، أخذ كرائم المال، في أداء الزكاة. بل يأخذ الوسط.

ويحرم على رب المال، إخراج شر المال.

قال ابن الصلاح: هذا الذي وقع في حديث معاذ: من ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض، هو من تقصير الراوي. كما سبق من نظائره. انتهى.

وفي الرواية الأخرى: (فإذا فعلوا فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم. فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم. وتوق كرائم أموالهم) .

قال النووي : قد يستدل بلفظة: "من أموالهم"، على أنه إذا امتنع من الزكاة، أخذت من ماله بغير اختياره.

[ ص: 432 ] وهذا الحكم لا خلاف فيه. ولكن هل تبرأ ذمته، ويجزيه ذلك في الباطن؟

فيه: وجهان.

(واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .

فيه: بيان عظم تحريم الظلم.

وأن الإمام: ينبغي له أن يعظ ولاته، ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويبالغ في نهيهم عن الظلم، ويعرفهم قبح عاقبته.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث