الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الجزية غير مقدرة بالشرع

[ الجزية غير مقدرة بالشرع : ]

فيؤخذ من عروضه بقدر ما عليه من الجزية ، هذه سنة رسول الله [ ص: 132 ] - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه التي لا معدل عنها ، فقد تبين أن الجزية غير مقدرة بالشرع تقديرا لا يقبل الزيادة والنقصان ، ولا معينة الجنس .

قال الخلال : العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة أنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه معينة الجنس في عشرة مواضع ، فاستقر قوله على ذلك .

وهذا قول سفيان الثوري وأبي عبيد وغيرهم من أهل العلم .

وأول من جعل الجزية على ثلاث طبقات عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، جعلها على الغني ثمانية وأربعين درهما ، وعلى المتوسط أربعة وعشرين ، وعلى الفقير اثني عشر ، وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة .

وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام ، ولولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع المواضع ولم يجز أن تختلف .

وقال البخاري : قال ابن عيينة : عن ابن أبي نجيح قلت لمجاهد : ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير ، وأهل اليمن عليهم دينار ؟ قال : جعل ذلك من أجل اليسار ، وقد زادها عمر أيضا على ثمانية وأربعين فصيرها خمسين درهما .

واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بأن الواجب دينار على الغني والفقير [ ص: 133 ] والمتوسط بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدرها بذلك في حديث معاذ رضي الله عنه وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا ، ولم يفرق بين غني وفقير ، وجعلهم ثلاث طبقات ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع من اجتهاد عمر .

ونازعه الجمهور في ذلك وقالوا : لا منافاة بين سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ما فعله عمر رضي الله عنه بل هو من سنته أيضا ، وقد قرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين سنته وسنة خلفائه في الاتباع فما سنه خلفاؤه فهو كسنته في الاتباع ، وهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه اشتهر بين الصحابة ، ولم ينكره منكر ، ولا خالفه فيه واحد منهم ألبتة ، واستقر عليه عمل الخلفاء والأئمة بعده ، فلا يجوز أن يكون خطأ أصلا .

وقد نص الشافعي على استحباب العمل به فقال : الواجب على كل رجل دينار لا يجزئ أقل من ذلك ، فإن كان الذمي مقلا ولم يكن موسرا [ ص: 134 ] ولا متوسطا عقد له الإمام الذمة على دينار في كل سنة ، وإن كان متوسطا فيستحب أن يقول له الإمام : جزية مثلك ديناران ، فلا أعقد لك ذمة على أقل منهما ، ويحمل عليه بالكلام فإن لم يقبل حمل عليه بعشيرته وأهله ، فإن لم يقبل وأقام على بذل الدينار قبل منه وعقدت له الذمة ، وإن كان موسرا فيستحب أن يقال له : جزية مثلك أربعة دنانير لا أقبل منك أقل منها ، ويتحامل عليه بالكلام ويحمل عليه بعشيرته وقومه ، فإن لم يفعل وأقام على بذل الدينار قبل منه وعقدت له الذمة عليه .

قلت : ولا يخلو حديث معاذ من أحد وجوه ثلاثة :

الأول : أن يكون أمره بذلك ; لأن الغالب على أهل ذمة اليمن إذ ذاك الفقر ، وقد أشار مجاهد إلى ذلك في قوله : إنما جعل على أهل الشام ثمانية وأربعون درهما من أجل اليسار .

الوجه الثاني : أنهم كانوا قد أقروا بالجزية ، ولم يتميز الغني منهم من الفقير ، والصحابة إذ ذاك لم يسكنوا اليمن بل كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ هو حي بين أظهرهم ، فلما لم يتفرغوا لتمييز غنيهم من فقيرهم جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية كلها طبقة واحدة ، فلما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الصحابة في البلاد وسكنوا الشام تفرغوا لتمييز طبقات أهل الذمة ومعرفة غنيهم وفقيرهم ومتوسطهم ، فجعلوهم ثلاث طبقات ، وأخذوا من كل طبقة ما لا يشق عليهم إعطاؤه .

[ ص: 135 ] الوجه الثالث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقدرها تقديرا عاما لا يقبل التغيير ، بل ذلك موكول إلى المصلحة واجتهاد الإمام ، فكانت المصلحة في زمانه أخذها من أهل اليمن على السواء ، وكانت المصلحة في زمن خلفائه الراشدين أخذها من أهل الشام ومصر والعراق على قدر يسارهم وأموالهم ، وهكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه أخذها من أهل نجران حللا في قسطين ، قسط في صفر وقسط في رجب .

وقال مالك عن نافع عن أسلم : أن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير ، وعلى أهل الورق أربعين درهما ، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام .

وقال الليث بن سعد ، عن كثير بن فرقد ، ومحمد بن عبد الرحمن بن غنج ، عن نافع ، عن أسلم ، عن عمر رضي الله عنه : أنه ضرب الجزية على أهل الشام - أو قال : على أهل الذهب - أربعة دنانير ، وأرزاق المسلمين من الحنطة مدين وثلاثة أقساط زيت لكل إنسان كل شهر ، وعلى أهل الورق أربعين درهما وخمسة عشر صاعا لكل إنسان ، قال : ومن كان من أهل [ ص: 136 ] مصر فإردب كل شهر لكل إنسان قال : ولا أدري كم ذكر لكل إنسان من الودك والعسل .

وعلى هذا فلو كان فيهم من لا يقدر إلا على بعض دينار لوجب قبوله منه بحسب قدرته . وهذا قياس جميع الواجبات إذا قدر على أداء بعضها وعجز عن جميعها ، كمن قدر على أداء بعض الدين ، وإخراج بعض صاع الفطر ، وأداء بعض النفقة إذ لا يقدر على تمامها ، وغسل بعض أعقابه إذا عجز عن غسل جميعها ، وقراءة بعض الفاتحة في الصلاة إذا عجز عن جميعها ، ونظائر ذلك .

قال أبو عبيد : والذي اخترناه أن عليهم الزيادة كما يكون لهم [ ص: 137 ] النقصان وللزيادة التي زادها عمر رضي الله عنه على وظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وللزيادة التي زادها هو نفسه حين كانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين .

ولو عجز أحدهم عن دينار ؛ لحطه من ذلك حتى قد روي عنه أنه أجرى على شيخ منهم من بيت المال ، وذلك أنه مر به وهو يسأل على الأبواب وفعله عمر بن عبد العزيز .

وقال أبو عبيد : ولو علم عمر أن فيها سنة مؤقتة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تعداها إلى غيرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث