الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط ركن الطلاق وبعضها يرجع إلى المرأة

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) وأما الذي يرجع إلى المرأة فمنها الملك أو علقة من علائقه ; فلا يصح الطلاق إلا في الملك أو في علقة من علائق الملك وهي عدة الطلاق أو مضافا إلى الملك .

وجملة الكلام فيه أن الطلاق لا يخلو : إما أن يكون تنجيزا ، وإما أن يكون تعليقا بشرط ، وإما أن يكون إضافة إلى وقت أما التنجيز في غير الملك والعدة فباطل ; بأن قال لامرأة أجنبية : أنت طالق أو طلقتك ; لأنه إبطال الحل ورفع القيد ولا حل ولا قيد في الأجنبية ، فلا يتصور إبطاله ورفعه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { لا طلاق قبل النكاح } .

وإن كانت منكوحة الغير وقف على إجازته عندنا خلافا للشافعي ، والمسألة تأتي في كتاب البيوع

وأما التعليق بشرط فنوعان : تعليق في الملك ، وتعليق بالملك .

والتعليق في الملك نوعان : حقيقي ، وحكمي أما الحقيقي : فنحو أن يقول لامرأته : إن دخلت هذه الدار فأنت طالق أو إن كلمت فلانا أو إن قدم فلان ونحو ذلك وإنه صحيح بلا خلاف ; لأن الملك موجود في الحال ، فالظاهر بقاؤه إلى وقت وجود الشرط ، فكان الجزاء غالب الوجود عند وجود الشرط فيحصل ما هو المقصود من اليمين وهو التقوي على الامتناع من تحصيل الشرط فصحت اليمين ، ثم إذا وجد الشرط ، والمرأة في ملكه أو في العدة يقع الطلاق وإلا فلا يقع الطلاق ، ولكن تنحل اليمين لا إلى جزاء حتى إنه لو قال لامرأته : إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فدخلت الدار وهي في ملكه طلقت .

وكذا إذا أبانها قبل دخول الدار فدخلت الدار وهي في العدة عندنا ; لأن المبانة يلحقها صريح الطلاق عندنا ، وإن أبانها قبل دخول الدار وانقضت عدتها ثم دخلت الدار لا يقع الطلاق لعدم الملك والعدة ، ولكن تبطل اليمين حتى لو تزوجها ثانيا ودخلت الدار لا يقع شيء ; لأن المعلق بالشرط يصير عند الشرط كالمنجز ، والتنجيز في غير الملك والعدة باطل .

فإن قيل : أليس أن الصحيح إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم جن فدخلت الدار أنه يقع طلاقه ، ولو نجز في تلك الحالة لا يقع فالجواب من وجهين : أحدهما أن التطليق كلامه السابق عند الشرط فتعتبر الأهلية وقت وجوده وقد وجدت ، والثاني أنا إنما اعتبرناه تنجيزا حكما وتقديرا ، والمجنون من أهل أن يقع الطلاق على امرأته بطريق الحكم ، فإن العنين إذا أجل فمضت المدة وقد جن يفرق القاضي بينهما ويكون ذلك طلاقا فاطرد الكلام بحمد الله تعالى ، ولو أبانها قبل دخول الدار ولم تدخل الدار حتى تزوجها ثم دخلت يقع الطلاق ; لأن اليمين لم تبطل بالإبانة ; لأنه يتصور عود الملك فما قامت الجزاء على وجه لا يتصور عوده ، ولو قال لامرأته : إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثلاثا فطلقها واحدة أو ثنتين قبل دخول الدار فتزوجت بزوج آخر ودخل بها ثم عادت إلى الزوج الأول فدخلت طلقت ثلاثا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد هي طالق ما بقي من الطلقات الثلاث شيء ، وأصل هذه المسألة أن من طلق [ ص: 127 ] امرأته واحدة أو اثنتين ثم تزوجت بزوج آخر ودخل بها وعادت إلى الأول أنها تعود بثلاث تطليقات في قولهما ، وفي قول محمد تعود بما بقي وهو قول زفر ولقب المسألة : أن الزوج الثاني هل يهدم الطلقة والطلقتين ؟ عندهما يهدم وعند محمد لا يهدم .

والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم روي عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم مثل مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف وروي عن عمر وأبي بن كعب وعمران بن حصين مثل مذهب محمد وزفر واحتجا بقوله سبحانه وتعالى { : الطلاق مرتان } إلى قوله { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } حرم المطلقة الثلاث مطلقا من غير فصل بين ما إذا تخللت إصابة الزوج الثاني الثلاث وبين ما إذا لم يتخللها وهذه مطلقة الثلاث حقيقة ; لأن هذه طلقة قد سبقها طلقتان حقيقة ، والطلقة الثالثة هي الطلقة التي سبقها طلقتان فدخلت تحت النص ; ولأن الزوج الثاني جعل في الشرع منهيا للحرمة لقوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } وحتى كلمة غاية ، وغاية الحرمة لا تتصور قبل وجود الحرمة ، والحرمة لم تثبت قبل الطلقات الثلاث فلم يكن الزوج الثاني منهيا للحرمة فيلحق بالعدم ولأبي حنيفة وأبي يوسف النصوص والمعقول أما النصوص : فالعمومات الواردة في باب النكاح من نحو قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } .

وقوله عز وجل { : وأنكحوا الأيامى منكم } وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن } فهذه النصوص وأمثالها تقتضي جواز النكاح من غير فصل بين أن تكون المرأة مطلقة أو لا وبين أن تكون مطلقة ثلاثا تخللها إصابة الزوج الثاني أو لا إلا أن المطلقة الثلاث التي لم يتخللها إصابة الزوج الثاني خصت عن النصوص فبقي ما وراءها تحتها .

وأما المعقول فمن وجهين : أحدهما أن النكاح مندوب إليه ومسنون وعقد ومصلحة لتضمنه مصالح الدين والدنيا ، فلا يجوز أن يمنع عنه ; لأنه يؤدي إلى التناقض ; لأن قطع المصلحة مفسدة ، والشريعة منزهة عن التناقض إلا أنه قد خرج من أن يكون مصلحة بمخالفة الأخلاق ومباينة الطباع أو غير ذلك من المعاني ويقع اليأس عن استيفاء المصالح من هذه المرأة فشرع الطلاق لاستيفاء المصالح المطلوبة من النكاح من زوجة أخرى ، إلا أن خروج النكاح من أن يكون مصلحة لا يعرف إلا بالتأمل والتجربة ، ولهذا فوض الطلاق إلى الزوج لاختصاصه بكمال الرأي والعقل ليتأمل فإذا طلقها ثلاثا على ظن المخالفة ، ثم مال قلبه إليها حتى تزوجها بعد إصابة الزوج الثاني الذي هو في غاية النفار في طباع الفحل ونهاية المنع دل أن طريق الموافقة بينهما قائم ، وأنه أخطأ في التجربة وقصر في التأمل ; فبقي النكاح مصلحة لقيام الموافقة بينهما ، فلا يجوز القول بحرمته كما في ابتداء النكاح ، بل أولى لأن ثمة لم يوجد إلا دليل أصل الموافقة وههنا وجد دليل كمال الموافقة وهو الميل إليها مع وجود ما هو النهاية في النفرة ثم لما حل نكاحها في الابتداء لتحقيق المقاصد فبعد إصابة الزوج الثاني أولى ، وهذا المعنى لا يوجب التفرقة بين إصابة الزوج الثاني بعد الطلقات الثلاث وبين ما قبلها ، فورود الشرع بجواز النكاح ثمة يكون ورودا ههنا دلالة .

والثاني أن الحل بعد إصابة الزوج الثاني وطلاقه إياها وانقضاء عدتها حل جديد .

والحل الجديد لا يزول إلا بثلاث طلقات كما في ابتداء النكاح والدليل على أن هذا حل جديد أن الحل الأول قد زال حقيقة ; لأنه عرض لا يتصور بقاؤه ، إلا أنه إذا لم يتخلل بين الحلين حرمة يجعل كالدائم بتجدد أمثاله فيكون كشيء واحد فكان زائلا حقيقة وتقديرا فكان الثاني حلا جديدا ، والحل الجديد لا يزول إلا بثلاث تطليقات كما في ابتداء النكاح .

وأما في قوله تعالى { : فإن طلقها } فنقول هذه الآية الكريمة تتناول طلقة ثالثة مسبوقة بطلقتين بلا فصل ، لأن الفاء للتعقيب بلا فصل وإصابة الزوج الثاني ههنا حاصلة فلا يتناولها ، أو تحمل الآية على ما إذا لم يدخل بها الزوج الثاني حتى طلقها وتزوجها الأول وطلقها واحدة توفيقا بين الدلائل .

وأما قوله : بأن الشرع جعل إصابة الزوج الثاني غاية للحرمة فنقول كون الإصابة غاية للحرمة يقتضي انتهاء الحرمة عند عدم الإصابة وقد بينا أنه يثبت حل جديد بعد الإصابة ، ولو قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا فطلقها ثلاثا قبل الدخول وتزوجت بزوج ودخل بها ثم عادت إلى الأول فدخلت الدار لا يقع عليها شيء عند علمائنا الثلاثة ، وعند زفر يقع عليها ثلاث تطليقات وجه قوله أن المعلق طلقات مطلقة لا مقيدة [ ص: 128 ] بالحل القائم ; لأن الحالف أطلق وما قيد ، والحل القائم إن بطل بالتنجيز فقد وجد حل آخر ; فكان التعليق باقيا وقد وجد الملك عند وجود الشرط فينزل المعلق كما إذا قال لامرأته إن دخلت هذه الدار فأنت علي كظهر أمي ثم طلقها ثلاثا قبل الدخول يبقى تعليق الظهار بالدخول حتى لو تزوجت بزوج آخر ثم عادت إلى الزوج الأول فدخلت الدار يصير مظاهرا لما ذكرنا كذا هذا .

ولنا أن المعلق طلقات الحل القائم للحال ، وقد بطل على وجه لا يتصور عوده فلا يتصور الطلاق المبطل للحل القائم عند وجود الشرط فتبقى اليمين كما إذا صار الشرط بحال لا يتصور عوده بأن جعل الدار بستانا أو حماما .

والدليل على أن المعلق طلقات هذا الحل أن المعلق طلاق مانع من تحصيل الشرط ; لأن الغرض من مثل هذه اليمين التقوي على الامتناع من تحصيل الشرط ، والمنع لا يحصل إلا بكونه غالب الوجود عند وجود الشرط .

وذلك هو الحل القائم للحال ; لأنه موجود للحال ، فالظاهر بقاؤه فيصلح مانعا ، والذي يحدث بعد إصابة الزوج الثاني عدم للحال ، فالظاهر بقاؤه على العدم فكان غالب العدم عند وجود الشرط فلا يصلح إطلاقه مانعا فلا يكون معلقا بالشرط ما لا يكون معلقا به .

وأما قوله : الحالف أطلق فنعم لكنه أراد به المقيد عرفنا ذلك بدلالة الغرض المطلوب من التصرف وهو التقوي على الامتناع .

وذلك لا يحصل إلا بتطليقات هذا الحل فيتقيد بها .

وأما مسألة الظهار ففيها اختلاف الرواية روى أبو طاهر الدباس عن أصحابنا أنه يبطل بتنجيز الثلاث فلا يصير مظاهرا عند دخول الدار ، ثم ما ذكرنا من اعتبار الملك أو العدة لوقوع الطلاق في الملك بشرط واحد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث