الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط رجوع المبتوتة لزوجها

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

ومنها أن يكون النكاح الثاني صحيحا حتى لو تزوجت رجلا نكاحا فاسدا ودخل بها لا تحل للأول ; لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة ، ومطلق النكاح ينصرف إلى ما هو نكاح حقيقة ولو كان النكاح الثاني مختلفا في فساده ، ودخل بها لا تحل للأول عند من يقول بفساده لما قلنا ، فإن تزوجت بزوج آخر ومن نيتها التحليل فإن لم يشرطا ذلك بالقول ، وإنما نويا ، ودخل بها على هذه النية حلت للأول في قولهم جميعا ; لأن مجرد النية في المعاملات غير معتبر فوقع النكاح صحيحا لاستجماع شرائط الصحة فتحل للأول كما لو نويا التوقيت ، وسائر المعاني المفسدة .

وإن شرط الإحلال بالقول ، وأنه يتزوجها لذلك ، وكان الشرط منها فهو نكاح صحيح عند أبي حنيفة ، وزفر ، وتحل للأول ، ويكره للثاني ، والأول .

وقال أبو يوسف : النكاح الثاني فاسد ، وإن وطئها لم تحل للأول وقال محمد : النكاح الثاني صحيح ولا تحل للأول .

( وجه ) قول أبي يوسف أن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت ، وشرط التوقيت في النكاح يفسده ، والنكاح الفاسد لا يقع به التحليل ، ولمحمد أن النكاح عقد مؤبد فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره الله تعالى لغرض الحل فيبطل الشرط ، ويبقى النكاح صحيحا لكن لا يحصل به الغرض كمن قتل مورثه أنه [ ص: 188 ] يحرم الميراث لما قلنا .

كذا هذا ، ولأبي حنيفة أن عمومات النكاح تقتضي الجواز من غير فصل بين ما إذا شرط فيه الإحلال أو لا فكان النكاح بهذا الشرط نكاحا صحيحا فيدخل تحت قوله تعالى { حتى تنكح زوجا غيره } فتنتهي الحرمة عند وجوده إلا أنه كره النكاح بهذا الشرط لغيره ، وهو أنه شرط ينافي المقصود من النكاح ، وهو السكن ، والتوالد ، والتعفف ; لأن ذلك يقف على البقاء ، والدوام على النكاح ، وهذا - والله أعلم - معنى إلحاق اللعن بالمحلل في قوله صلى الله عليه وسلم { لعن الله المحلل ، والمحلل له } .

وأما إلحاق اللعن بالزوج الأول ، وهو المحلل له فيحتمل أن يكون لوجهين : أحدهما : أنه سبب لمباشرة الزوج الثاني هذا النكاح لقصد الفراق ، والطلاق دون الإبقاء ، وتحقيق ما وضع له ، والمسبب شريك المباشر في الاسم ، والثواب في التسبب للمعصية ، والطاعة .

والثاني أنه باشر ما يفضي إلى الذي تنفر منه الطباع السليمة ، وتكرهه من عودها إليه من مضاجعة غيره إياها واستمتاعه بها ، وهو الطلقات الثلاث إذ لولاها لما وقع فيه فكان إلحاقه اللعن به لأجل الطلقات والله - عز وجل - أعلم .

وأما قول أبي يوسف إن التوقيت في النكاح يفسد النكاح فنقول : المفسد له هو التوقيت نصا .

ألا ترى أن كل نكاح مؤقت فإنه يتوقت بالطلاق ، وبالموت ، وغير ذلك ولم يوجد التوقيت نصا ، فلا يفسد ، وقول محمد إنه استعجال ما أجله الله تعالى ممنوع ، فإن استعجال ما أجله الله تعالى لا يتصور ; لأن الله تعالى إذا ضرب لأمر أجلا لا يتقدم ولا يتأخر فإذا طلقها الزوج الثاني تبين أن الله تعالى أجل هذا النكاح إليه ، ولهذا قلنا إن المقتول ميت بأجله خلافا للمعتزلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث