الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الخامس في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية

الباب الخامس

في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية

اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة عقلية ، وهي أن التكوين هل هو نفس المكون أم لا ؟ قالت المعتزلة والأشعرية : التكوين نفس المكون ، وقال آخرون إنه غيره ، واحتج النفاة بوجوه : -

الحجة الأولى : أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة أو على سبيل الوجوب ، فإن كان الأول فتلك الصفة هي القدرة لا غير ، وإن كان الثاني لزم كونه تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار .

الحجة الثانية : أن تلك الصفة المسماة بالتكوين إن كانت قديمة لزم من قدمها الآثار وإن كانت محدثة افتقر تكوينها إلى تكوين آخر ولزم التسلسل .

الحجة الثالثة : أن الصفة المسماة بالقدرة إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة أو ليس لها هذه الصلاحية ، فإن كان الأول فحينئذ تكون القدرة كافية في خروج الأثر من العدم إلى الوجود ، وإلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إثبات صفة أخرى ، وإن كان الثاني فحينئذ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير ، فوجب أن لا تكون القدرة قدرة ، وذلك يوجب التناقض .

واحتج مثبتو قدم الصفة بأن القادر على الفعل قد يوجده وقد لا يوجده ، ألا ترى أن الله تعالى قادر على خلق ألف شمس وقمر على هذه السماء إلا أنه ما أوجده ، وصحة هذا النفي والإثبات يدل على أن المعقول من كونه موجدا مغاير للمعقول من كونه قادرا ، ثم نقول : كونه موجدا إما أن يكون معناه دخول الأثر في الوجود أو يكون أمرا زائدا ، والأول باطل لأنا نعلل دخول هذا الأثر في الوجود بكون الفاعل موجدا له ، ألا ترى أنه إذا قيل : لم وجد العالم ؟ قلنا : لأجل أن الله أوجده ، فلو كان كون الموجد موجدا له معناه نفس هذا الأثر لكان تعليل وجود الأثر بالموجدية يقتضي تعليل وجوده نفسه ، ولو كان معللا بنفسه لامتنع إسناده إلى الغير ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر يقتضي نفي الموجدية ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر كلام باطل ، فوجب أن يكون كون الموجد موجدا أمرا مغايرا لكون الفاعل قادرا لوجود الأثر ، فثبت أن التكوين غير المكون .

إذا عرفت هذا الأصل فنقول : القائلون بأن التكوين نفس المكون قالوا : معنى كونه تعالى خالقا رازقا محييا مميتا ضارا نافعا عبارة عن نسبة مخصوصة وإضافة مخصوصة ، وهي تأثير قدرة الله تعالى في حصول هذه الأشياء ، وأما القائلون بأن التكوين غير المكون ، فقالوا معنى كونه خالقا رازقا ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط ، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية .

[ ص: 116 ] اعلم أن الصفات الإضافية على أقسام .

( أحدها ) كونه معلوما مذكورا مسبحا ممجدا ، فيقال : يا أيها المسبح بكل لسان ، يا أيها الممدوح عند كل إنسان ، يا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان ، ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية .

وثانيها : كونه تعالى فاعلا للأفعال صفة إضافية محضة بناء على أن تكوين الأشياء ليس بصفة زائدة ، إذا عرفت هذا فالمخبر عنه إما أن يكون مجرد كونه موجدا ، أو المخبر عنه كونه موجدا للنوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية ، أما القسم الأول - وهو اللفظ الدال على مجرد كونه موجدا - فههنا ألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة مثل : الموجد ، والمحدث ، والمكون ، والمنشئ ، والمبدع ، والمخترع ، والصانع ، والخالق ، والفاطر ، والبارئ ، فهذه ألفاظ عشرة متقاربة ، ومع ذلك فالفرق حاصل : أما الاسم الأول - وهو الموجد - فمعناه المؤثر في الوجود ، وأما المحدث فمعناه الذي جعله موجودا بعد أن كان معدوما ، وهذا أخص من مطلق الإيجاد ، وأما المكون فيقرب من أن يكون مرادفا للموجد ، وأما المنشئ فاشتقاقه من النشوء والنماء ، وهو الذي يكون قليلا قليلا على التدريج ، وأما المبدع فهو الذي يكون دفعة واحدة ، وهما كنوعين تحت جنس الموجد . والمخترع قريب من المبدع وأما الصانع فيقرب أن يكون اسما لمن يأتي بالفعل على سبيل التكلف ، وأما الخالق فهو عبارة عن التقدير ، وهو في حق الله تعالى يرجع إلى العلم ، وأما الفاطر فاشتقاقه من الفطر وهو الشق ، ويشبه أن يكون معناه هو الإحداث دفعة ، وأما البارئ فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة ، يقال : برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقا لغرض معين ، فهذا بيان هذه الألفاظ الدالة على كونه موجدا على سبيل العموم ، أما الألفاظ الدالة على إيجاد شيء بعينه فتكاد أن تكون غير متناهية ، ويجب أن نذكر في هذا الباب أمثلة .

فالمثال الأول : أنه إذا خلق النافع سمي نافعا ، وإذا خلق المؤلم سمي ضارا .

والمثال الثاني : إذا خلق الحياة سمي محييا ، وإذا خلق الموت سمي مميتا .

والمثال الثالث : إذا خصهم بالإكرام سمي برا لطيفا ، وإذا خصهم بالقهر سمي قهارا جبارا .

والمثال الرابع : إذا قلل العطاء سمي قابضا ، وإذا أكثره سمي باسطا .

والمثال الخامس : إن جارى ذوي الذنوب بالعقاب سمي منتقما وإن ترك ذلك الجزاء سمي عفوا غفورا رحيما رحمانا .

المثال السادس : إن حصل المنع والإعطاء في الأموال سمي قابضا باسطا ، وإن حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضا رافعا .

إذا عرفت هذا فنقول : إن أقسام مقدورات الله تعالى بحسب الأنواع والأجناس غير متناهية ، فلا جرم يمكن أن يحصل لله تعالى أسماء غير متناهية بحسب هذا الاعتبار .

وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا دقائق لا بد منها :

فالدقيقة الأولى : أن مقابل الشيء تارة يكون ضده وتارة يكون عدمه فقولنا : " المعز المذل " وقولنا : المحيي المميت يتقابلان تقابل الضدين ، وأما قولنا : " القابض الباسط ، الخافض الرافع " فيقرب من أن يكون تقابلهما تقابل العدم والوجود ؛ لأن القبض عبارة عن أن لا يعطيه المال الكثير ، والخفض عبارة أن لا يعطيه الجاه الكبير ، أما الإعزاز والإذلال فهما متضادان ؛ لأنه فرق بين أن لا يعزه وبين أن يذله .

والدقيقة الثانية : أنه قد تكون الألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة ، ولكن التأمل التام يدل على الفرق اللطيف ، وله أمثلة :

المثال الأول : الرؤوف الرحيم يقرب من هذا الباب ، إلا أن الرؤوف أميل إلى جانب إيصال النفع ، والرحيم أميل إلى جانب دفع الضرر .

والمثال الثاني : الفاتح [ ص: 117 ] والفتاح ، والنافع والنفاع ، والواهب والوهاب ، فالفاتح يشعر بإحداث سبب الخير ، والواهب يشعر بإيصال ذلك الخير إليه ، والنافع يشعر بإيصال ذلك النفع إليه بقصد أن ينتفع ذلك الشخص به ، وإذا وقفت على هذا القانون المعتبر في هذا الباب أمكنك الوقوف على حقائق هذا النوع من الأسماء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث