الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة العاشرة :

                                                                                                                                                                                                                                            قالوا : الحرف ما جاء لمعنى في غيره ، وهذا لفظ مبهم : لأنهم إن أرادوا معنى الحرف أن الحرف ما دل على معنى يكون المعنى حاصلا في غيره وحالا في غيره ، لزمهم أن تكون أسماء الأعراض والصفات كلها حروفا ، وإن أرادوا به أنه الذي دل على معنى يكون مدلول ذلك اللفظ غير ذلك المعنى ، فهذا ظاهر الفساد ، وإن أرادوا به معنى ثالثا فلا بد من بيانه .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الحادية عشرة :

                                                                                                                                                                                                                                            التركيبات الممكنة من هذه الثلاثة ستة : الاسم مع الاسم وهو الجملة الحاصلة من المبتدأ والخبر ، والاسم مع الفعل وهو الجملة الحاصلة من الفعل والفاعل ، وهاتان الجملتان مفيدتان بالاتفاق ، وأما الثالث - وهو الاسم مع الحرف - فقيل : إنه يفيد في صورتين :

                                                                                                                                                                                                                                            الصورة الأولى :

                                                                                                                                                                                                                                            قولك " يا زيد " فقيل : ذلك إنما أفاد ؛ لأن قولنا يا زيد في تقدير أنادي ، واحتجوا على صحة قولهم بوجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن لفظ يا تدخله الإمالة ، ودخول الإمالة لا يكون إلا في الاسم أو الفعل .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أن لام الجر تتعلق بها فيقال : " يا لزيد " فإن هذه اللام لام الاستغاثة وهي حرف جر ، ولو لم يكن قولنا (يا) قائمة مقام الفعل وإلا لما جاز أن يتعلق بها حرف الجر : لأن الحرف لا يدخل على الحرف ومنهم من أنكر أن يكون (يا) بمعنى أنادي ، واحتج عليه بوجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن قوله أنادي إخبار عن النداء ، والإخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه ، فوجب أن يكون قولنا : أنادي زيدا مغايرا لقولنا : يا زيد .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن قولنا : أنادي زيدا ، كلام محتمل للتصديق والتكذيب ، وقولنا : يا زيد ، لا يحتملها .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أن قولنا يا زيد ليس خطابا إلا مع المنادى ، وقولنا : أنادي زيدا غير مختص بالمنادى .

                                                                                                                                                                                                                                            الرابع : أن قولنا : يا زيد يدل على حصول النداء في الحال ، وقولنا : أنادي زيدا لا يدل على اختصاصه بالحال .

                                                                                                                                                                                                                                            الخامس : أنه يصح أن يقال : أنادي زيدا قائما ، ولا يصح أن يقال : يا زيد قائما ، فدلت هذه الوجوه الخمسة على حصول التفرقة بين هذين اللفظين .

                                                                                                                                                                                                                                            الصورة الثانية :

                                                                                                                                                                                                                                            قولنا : " زيد في الدار " فقولنا زيد مبتدأ ، والخبر هو ما دل عليه قولنا في ، إلا أن المفهوم من معنى الظرفية قد يكون في الدار أو في المسجد ، فأضيفت هذه الظرفية إلى الدار لتتميز هذه الظرفية عن سائر أنواعها ، فإن قالوا : هذا الكلام إنما أفاد ؛ لأن التقدير زيد استقر في الدار وزيد مستقر في الدار ، فنقول : هذا باطل : لأن قولنا استقر معناه حصل في الاستقرار ، فكان قولنا فيه يفيد حصولا آخر : وهو أنه حصل فيه [ ص: 43 ] حصول ذلك الاستقرار ، وذلك يفضي إلى التسلسل وهو محال ، فثبت أن قولنا : زيد في الدار ، كلام تام ولا يمكن تعليقه بفعل مقدر مضمر .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية