الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من أقسام الوقف على المرسوم الإثبات

( وأما الإثبات ) فهو على قسمين أحدهما إثبات ما حذف رسما ، والثاني إثبات ما حذف لفظا . فالذي ثبت من المحذوف رسما ينحصر في نوعين الأول ، وهو من الإلحاق كما تقدم في الباب قبله هاء السكت ، الثاني أحد حروف العلة

[ ص: 134 ] الواقعة قبل ساكن فحذفت لذلك . أما هاء السكت فتجيء في خمسة أصول مطردة ، وكلمات مخصوصة .

( الأصل الأول ) ما الاستفهامية المجرورة بحرف الجر . ووقعت في خمس كلمات عم ، وفيم ، وبم ، و لم ، و مم فاختلفوا في الوقف عليها بالهاء عن يعقوب والبزي . فأما يعقوب فقطع له في الوقف بالهاء أبو محمد سبط الخياط وأبو الفضل الرازي والشريف عن الشرف العباسي . وقطع له الجمهور كأبي العز وابن غلبون والحافظ أبي العلاء وابن سوار والداني بالهاء في الحرف الأول ، وهو عم ، وقطع له الأكثرون بذلك في الحرف الثاني ، وهو : فيم نحو : فيم كنتم ، و فيم أنت ، وهو الذي في الإرشاد والمستنير . وزاد أيضا الحرف الثالث ، وهو : بم نحو فبم تبشرون ، وقطع له الداني بالهاء في الحرف الأخير ، وهو مم ، وقطع من قراءته على أبي الفتح في لم وبم ، وفيم ، وقطع آخرون بذلك لرويس خاصة في الأحرف الخمسة كأبي بكر بن مهران ، وقطع أبو العز بذلك لرويس في الأحرف الثلاثة الأخيرة وجعل الحرفين الأولين ليعقوب بكماله كما تقدم آنفا ، ولم يذكره عنه في الكامل ، ولا في الجامع ، ولا في كثير من الكتب .

( قلت ) : وبالوجهين آخذ ليعقوب في الأحرف الخمسة لثبوتها عندي عنه من روايتيه . وأما البزي فقطع له بالهاء في الأحرف الخمسة صاحب التيسير ، والتبصرة ، والتذكرة ، والكافي ، وتلخيص العبارات ، وغيرها . ولم يذكره أكثر المؤلفين ، وهو الذي عليه العراقيون . وانفرد في الهداية بالهاء عن ابن كثير بكماله في ( عم ولم ) فقط . وأطلق للبزي الخلاف في الخمسة أبو القاسم الشاطبي والداني في غير التيسير وبالهاء قرأ على أبي الحسن بن غلبون وبغير هاء قرأ على أبي الفتح فارس بن أحمد وعبد العزيز بن جعفر الفارسي ، وهو من المواضع التي خرج صاحب التيسير ، فيها عن طرقه فإنه أسند رواية البزي عن الفارسي

[ ص: 135 ] هذا ، وقطع فيه بالهاء عن البزي ، ولم يقرأ بالهاء إلا على ابن غلبون كما نص عليه في جامع البيان " وهاء السكت " مختارة في هذا الأصل عند علماء العربية عوضا عن الألف المحذوفة .

( الأصل الثاني ) هو ، وهي حيث وقعا وكيف جاءا نحو وهو ولهو ، و أن يمل هو ، فإنه هو ، و لا إله إلا هو ونحو ما هي ، و لهي ، وهي فوقف على ذلك بالهاء يعقوب من غير خلاف عنه .

( الأصل الثالث ) النون المشددة من جمع الإناث سواء اتصل به شيء . أو لم يتصل نحو هن أطهر . ولهن مثل الذي عليهن ، و أن يضعن حملهن ، ومن الأرض مثلهن ، و بين أيديهن وأرجلهن فاختلف عن يعقوب في الوقف على ذلك بالهاء فقطع في التذكرة بإثبات الهاء عن يعقوب في ذلك كله ، وكذلك الحافظ أبو عمرو الداني ، وذكره أبو طاهر بن سوار ، وقطع به أبو العز القلانسي لرويس من طريق القاضي وأطلقه في الكنز عن رويس ، وقطع به ابن مهران لروح . والوجهان ثابتان عن يعقوب بهما قرأت ، وبهما آخذ ، وقد أطلقه بعضهم وأحسب أن الصواب تقييده بما كان بعد هاء كما مثلوا به ، ولم أجد أحدا مثل بغير ذلك فإن نص على غيره أحد يوثق به رجعنا إليه وإلا فالأمر كما ظهر لنا .

( الأصل الرابع ) المشدد المبني نحو أن لا تعلوا على ، و إلا ما يوحى إلي و خلقت بيدي . وما أنتم بمصرخي . ما يبدل القول لدي اختلف فيه عن يعقوب أيضا فنص على الوقف عليه بالهاء ليعقوب بكماله أبو الحسن طاهر بن غلبون والحافظ أبو عمرو الداني والأستاذ أبو طاهر بن سوار وأبو بكر بن مهران عن روح وحده .

والأكثرون على حذف الهاء وقفا ، وكلاهما ثابت عن يعقوب والظاهر أن ذلك مقيد بما كان بالياء كما مثلنا به ومثل به المثبتون فإن ثبت غير ذلك

[ ص: 136 ] أصير إليه - والله أعلم - .

وانفرد الداني بالهاء في لكن وإن يعني المفتوحة والمكسورة وقياس ذلك كأن - والله أعلم - .

( الأصل الخامس ) النون المفتوحة نحو العالمين ، والذين ، و المفلحون ، و بمؤمنين ، فروى بعضهم عن يعقوب الوقف على ذلك كله بالهاء ، وحكاه أبو طاهر بن سوار ، وغيره ، ورواه ابن مهران عن رويس ، وهو لغة فاشية مطردة عند العرب ، ومقتضى تمثيل ابن سوار إطلاقه في الأسماء والأفعال فإنه مثل بقوله ينفقون ، وروى ابن مهران عن هبة الله عن التمار تقييده بما لم يلتبس بهاء الكناية ومثله بقوله : وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ، وبما كنتم تدرسون . قال : ومذهب أبي الحسن بن أبي بكر يعني شيخه ابن مقسم أن هاء السكت لا تثبت في الأفعال .

( قلت ) : والصواب تقييده عند من أجازه كما نص عليه علماء العربية ، والجمهور على عدم إثبات الهاء عن يعقوب في هذا الفصل ، وعليه العمل - والله أعلم - .

" وأما الكلمات المخصوصة " فهي أربع ( ويلتى ، و أسفى ، و يا حسرتى ، و ثم الظرف ) فاختلف فيها عن رويس فقطع ابن مهران له بالهاء ، وكذلك صاحب الكنز ، ورواه أبو العز القلانسي عن القاضي أبي العلاء عنه . ونص الداني على ثم ليعقوب بكماله ، ورواه الآخرون عنه بغير هاء كالباقين ، والوجهان صحيحان عن رويس قرأت بهما ، وبهما آخذ ، وانفرد الداني عن يعقوب بالهاء في هلم ، وانفرد ابن مهران بالهاء في إياي وقياسه مثواي ، ومحياي ، وكذلك في أبي وقياسه أخي ، ولا يتأتى ذلك إلا مع فتح الياء ، وليست قراءة يعقوب ، وروي عن أبي الحسن بن أبي بكر المذكور تستفتيان بالهاء من الأفعال خاصة فخالف في ذلك سائر الرواة مع ضعفه - والله أعلم - .

وهاء السكت في هذا كله وما أشبهه جائزة عند علماء العربية سماعا وقياسا - والله أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث