الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وأما وصل المقطوع رسما فوقع مختلفا فيه في أيا ما في قوله تعالى : أيا ما تدعوا في آخر سورة سبحان ومال في أربعة مواضع فمال هؤلاء القوم في النساء و مال هذا الكتاب في الكهف و مال هذا الرسول في الفرقان و فمال الذين كفروا في سأل و إل ياسين في الصافات .

( أما : أياما ) فنص جماعة من أهل الأداء على الخلاف فيه كالحافظ أبي عمرو الداني في التيسير ، وشيخه طاهر بن غلبون وأبي عبد الله بن شريح ، وغيرهم ورووا الوقف على أيا دون ما عن حمزة والكسائي . وأشار ابن غلبون إلى خلاف عن رويس ، ونص هؤلاء عن الباقين بالوقف على ما دون أيا . وأما الجمهور فلم يتعرضوا إلى ذكره أصلا بوقف ، ولا ابتداء ، أو قطع ، أو وصل كالمهدوي وابن سفيان ومكي وابن بليمة ، وغيرهم من المغاربة وكأبي معشر والأهوازي وأبي القاسم بن الفحام ، وغيرهم من المصريين ، والشاميين وكأبي بكر بن مجاهد وابن مهران وابن شيط وابن سوار وابن فارس وأبي العز وأبي العلاء وأبي محمد سبط الخياط وجده أبي منصور ، وغيرهم من سائر العراقيين .

وعلى مذهب هؤلاء لا يكون في الوقف عليها خلاف بين أئمة القراءة ، وإذا لم يكن فيها خلاف فيجوز الوقف على كل

[ ص: 145 ] من ( أيا ) ، ومن ( ما ) لكونهما كلمتين انفصلتا رسما كسائر الكلمات المنفصلات رسما ، وهذا هو الأقرب إلى الصواب ، وهو الأولى بالأصول ، وهو الذي لا يوجد عن أحد منهم نص بخلافه ، وقد تتبعت نصوصهم فلم أجد ما يخالف هذه القاعدة ، ولاسيما في هذا الموضع وغاية ما وجدت النص عن حمزة و سليم والكسائي في الوقف على ( أيا ) فنص أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي الضرير صاحب سليم واليزيدي وإسحاق المسيبي ، وغيرهم على ذلك .

قال ابن الأنباري : ثنا سليمان بن يحيى يعني الضبي ; ثنا ابن سعدان قال : كان حمزة و سليم يقفان جميعا على ( أيا ) ثم قال : ابن سعدان والوقف الجيد على ( ما ) لأن ( ما ) صلة لأي .

ونص قتيبة كذلك عن الكسائي قال الداني : ثنا أبو الفتح عبد الله يعني عبد الله بن أحمد بن علي بن طالب البزاز ثنا إسماعيل يعني ابن شعيب النهاوندي ، ثنا أحمد يعني أحمد بن محمد بن سلمويه الأصبهاني . ثنا محمد بن يعقوب بن يزيد بن إسحاق القرشي الغزالي . ثنا العباس بن الوليد بن مرداس . ثنا قتيبة قال : كان الكسائي يقف على الألف من ( أيا ) انتهى ، وهذا غاية ما وجدته وغاية ما رواه الداني ثم قال الداني بأثر هذا والنص عن الباقين معدوم في ذلك والذي نختاره في مذهبهم الوقف على ( ما ) ، وعلى هذا يكون حرفا زيد صلة للكلام فلا يفصل من ( أي ) قال : وعلى الأول يكون اسما لا حرفا ، وهي بدل من ( أي ) فيجوز فصلها ، وقطعها منها انتهى . فقد صرح الداني رحمه الله بأن النص عن غير حمزة والكسائي ، معدوم وأن الوقف على ( ما ) اختيار منه من أجل كون ( ما ) صلة لا غير ، وذلك لا يقتضي أنه لا يجوز لهم الوقف على ( أي ) وكيف يكون ذلك غير جائز ، وهو مفصول رسما وما الفرق بينه وبين مثلا ما ، و أين ما كنتم تدعون ، و أين ما كنتم تشركون وأخواته مما كتب مفصولا ، وقد نص الداني نفسه على أن ما كتب من ذلك ، وغيره مفصولا يوقف لسائرهم عليه مفصولا وموصولا ; هذا هو الذي عليه سائر القراء وأهل الأداء ; فظهر أن الوقف جائز لجميعهم على كل من كلمتي ( أيا ; وما ) كسائر الكلمات المفصولات في الرسم ، وهذا الذي نراه ونختاره

[ ص: 146 ] ونأخذ به تبعا لسائر أئمة القراءة - والله أعلم - .

وأما ( مال ) في المواضع الأربعة فنص على الخلاف فيه أيضا الجمهور من المغاربة ، والمصريين ، والشاميين ، والعراقيين كالداني وابن الفحام وأبي العز وسبط الخياط وابن سوار والشاطبي والحافظ أبي العلاء وابن فارس وابن شريح وأبي معشر فاتفق كلهم عن أبي عمرو على الوقف على ( ما ) ، واختلف بعضهم عن الكسائي فذكر الخلاف عن الكسائي في الوقف عليها ، أو على اللام بعدها أبو عمرو الداني وابن شريح وأبو القاسم الشاطبي والآخرون منهم اتفقوا عن الكسائي على الوقف على ( ما ) ، وانفرد منهم أبو الحسن بن فارس فذكر في جامعه عن يعقوب أيضا ، وعن ورش الوقف على ( ما ) كأبي عمرو والكسائي .

وانفرد أيضا أبو العز فذكر في كفايته الوقف على ( ما ) كذلك من طريق القاضي أبي العلاء عن رويس ، ولم يذكر ذلك في الإرشاد واتفق هؤلاء على أن الباقين يقفون على اللام ، ولم يذكرها سائر المؤلفين ، ولا ذكروا فيها خلافا عن أحد ، ولا تعرضوا إليها كأبي محمد مكي وأبي علي بن بليمة وأبي الطاهر بن خلف صاحب العنوان ، وأبي الحسن بن غلبون وأبي بكر بن مهران ، وغيرهم وهذه الكلمات قد كتبت لام الجر فيها مفصولة مما بعدها فيحتمل عند هؤلاء الوقف عليها كما كتبت لجميع القراء اتباعا للرسم حيث لم يأت فيها نص ، وهو أظهر قياسا ويحتمل أن لا يوقف عليها من أجل كونها لام جر ، ولام الجر لا تقطع مما بعدها .

وأما الواقف على ( ما ) عند هؤلاء فيجوز ، بلا نظر عندهم على الجميع للانفصال لفظا وحكما ورسما ، وهذا هو الأشبه عندي بمذاهبهم والأقيس على أصولهم ، وهو الذي أختاره أيضا وآخذ به فإنه لم يأت عن أحد منهم في ذلك نص يخالف ما ذكرنا . أما الكسائي ، فقد ثبت عنه الوقف على ( ما ) ، وعلى اللام من طريقين صحيحين ، وأما أبو عمرو فجاء عنه بالنص على الوقف على ( ما ) أبو عبد الرحمن وإبراهيم بنا اليزيدي ، وذلك لا يقتضي أن لا يوقف على اللام ، ولم يأت من روايتي الدوري والسوسي في ذلك نص . وأما الباقون ، فقد صرح الداني في جامعه بعدم النص

[ ص: 147 ] عنهم فقال : وليس عن الباقين في ذلك نص سوى ما جاء عنهم من اتباعهم لرسم الخط عند الوقف قال : وذلك يوجب في مذهب من روي عنه أن يكون وقفه على اللام .

( قلت ) : وفيما قاله آخرا نظر فإنهم إذا كانوا يتبعون الخط في وقفهم فما المانع من أنهم يقفون أيضا على ( ما ) ، بل هو ، أولى وأحرى لانفصالها لفظا ورسما ، على أنه صرح بالوجهين جميعا عن ورش ، فقال : إسماعيل النحاس في كتابه كان أبو يعقوب صاحب ورش ، يعني الأزرق يقف على فمال ، وقالوا : مال وأشباهه كما في الصحف . وكان عبد الصمد يقف على فما ويطرح اللام انتهى . فدل هذا على جواز الوجهين جميعا عنه ، وكذا حكم غيره - والله أعلم - .

وأما إل ياسين في الصافات فأجمعت المصاحف على قطعها فهي على قراءة من فتح الهمزة ومدها وكسر اللام كلمتان مثل ( آل محمد ، وآل إبراهيم ) فيجوز قطعهما وقفا ، وأما على قراءة من كسر الهمزة وقصرها وسكن اللام فكلمة واحدة وإن انفصلت رسما فلا يجوز قطع إحداهما عن الأخرى وتكون هذه الكلمة على قراءة هؤلاء قطعت رسما اتصلت لفظا ، ولا يجوز اتباع الرسم فيها وقفا إجماعا ، ولم يقع لهذه الكلمة نظير في القراءة - والله أعلم - .

" والمتفق عليه " من هذا الفصل جميع ما كتب مفصولا سواء كان اسما ، أو غيره فإنه يجوز الوقف فيه على الكلمة الأولى والثانية عن جميع القراء . واعلم أن الأصل في كل كلمة كانت على حرفين فصاعدا أن تكتب منفصلة من التي بعدها سواء كانت حرفا ، أو فعلا ، أو اسما إلا آل المعرفة فإنها لكثرة دورها نزلت منزلة الجزء مما دخلت عليه فوصلت وإلا يا وها فإنهما لما حذفت ألفهما بقيا على حرف واحد فانفصلا بما بعدهما وإلا أن تكون الكلمة الثانية ضميرا متصلا فإنه كتب موصولا بما قبله للفرق وإلا أن يكونا حرفي هجاء إنهما وصلا رعاية للفظ وسيأتي ذلك كله مبينا في الفصل بعده .

والذي يحتاج إلى التنبيه عليه ينحصر في ثمانية عشر حرفا ، وهي : أن لا ، و أن ما ، و إن ما ، المخففة المكسورة ، و أين ما ، وأن لم ، و إن لم ، و أن لن ، و عن ما ،

[ ص: 148 ] ، و من ما ، و أم من ، و عن من ، و حيث ما ، و كل ما ، و بئس ما و في ما ، و كي لا ، و يوم هم .

( فأما : أن لا ) فكتب مفصولا في عشرة مواضع : في الأعراف أن لا أقول على الله ، وفيها أيضا أن لا يقولوا على الله ، وفي التوبة أن لا ملجأ من الله ، وفي هود وأن لا إله إلا هو ، وفيها أن لا تعبدوا إلا الله في قصة نوح . وفي الحج و أن لا تشرك بي شيئا ، وفي يس أن لا تعبدوا الشيطان ، وفي الدخان أن لا أقول على الله ، وفي الممتحنة أن لا يشركن بالله ، وفي ن أن لا يدخلنها اليوم فهذه العشرة لم يختلف فيها . واختلف المصاحف في قوله تعالى : في سورة الأنبياء أن لا إله إلا أنت سبحانك ففي أكثرها مقطوع ، وفي بعضها موصول .

( وإن ما ) المكسور المشدد كتب مفصولا في موضع واحد ، وهو في الأنعام إن ما توعدون لآت ، واختلف في موضع ثان ، وهو إنما عند الله في النحل فكتب في بعضها مفصولا .

( وأن ما ) المفتوحة المشددة فكتب مفصولا في موضعي الحج ولقمان وأن ما يدعون من دونه ، واختلف في موضع ثالث ، وهو أنما غنمتم في الأنفال فكتب في بعضها مفصولا أيضا .

( وإن ما ) المكسورة المخففة فكتب مفصولا في موضع واحد وإن ما نرينك في الرعد .

( وأين ما ) كتب مفصولا نحو أين ما كنتم تدعون ، أين ما كنتم تشركون إلا في البقرة فأينما تولوا فثم وجه الله ، وفي النحل أينما يوجهه لا يأت بخير فإنه كتب موصولا . واختلف في أينما تكونوا يدرككم الموت في النساء و أين ما كنتم تعبدون في الشعراء و أين ما ثقفوا في الأحزاب ففي بعض المصاحف مفصولا ، وفي بعضها موصولا - والله أعلم - .

( وأن لم ) المفتوح كتب مفصولا في جميع القرآن نحو ذلك أن لم يكن ربك ، أن لم يره أحد ، وكذلك ( إن لم ) المكسور كتب أيضا مفصولا نحو : فإن لم تفعلوا ، فإن لم يستجيبوا لك في القصص إلا موضعا واحدا ، وهو

[ ص: 149 ] فإلم يستجيبوا لكم في هود ووهم من ذكر وصل موضع القصص .

( وأن لن ) كتب مفصولا حيث وقع نحو : أن لن يقدر ، و أن لن يحور إلا في موضعين ، وهما ألن نجعل لكم موعدا في الكهف وألن نجمع عظامه في القيامة .

( وعن ما ) كتب مفصولا في موضع واحد ، وهو عن ما نهوا عنه في الأعراف .

( ومن ما ) كتب مفصولا في موضعين ، وهما من ما ملكت أيمانكم في النساء و من ما ملكت أيمانكم في الروم . واختلف في موضع ثالث ، وهو مما رزقناكم في المنافقين فكتب في بعضها مفصولا ، وفي بعضها موصولا .

( وأم من ) كتب في أربعة مواضع مفصولا ، وهي أم من يكون عليهم في النساء أم من أسس بنيانه في التوبة أم من خلقنا في الصافات أم من يأتي آمنا في فصلت .

( وعن من ) كتب مفصولا في موضعين ، وهما عن من يشاء في النور و عن من تولى في النجم .

( وحيث ما ) كتب مفصولا حيث وقع نحو وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ، وحيث ما كنتم فولوا .

( وكل ما ) كتب مفصولا في موضع واحد ، وهو من كل ما سألتموه في إبراهيم . واختلف في كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها في النساء ففي بعض المصاحف مفصول ، وفي بعضها موصول وكتب في بعضها أيضا كلما دخلت أمة في الأعراف و كلما جاء أمة في المؤمنين و كلما ألقي فيها في تبارك والمشهور الوصل .

( وبئس ما ) كتب موصولا في خمسة مواضع ، وهي في البقرة ولبئس ما شروا ، وفي المائدة وأكلهم السحت لبئس ما كانوا في الموضعين و عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا ، و يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت ، واختلف في قل بئسما يأمركم به إيمانكم في البقرة ففي بعضها موصول ، وفي بعضها مفصول

( وفي ما ) كتب موصولا في أحد عشر موضعا منها موضع واحد لم يختلف فيه ، وهو في ما ههنا آمنين في الشعراء وعشرة اختلف فيها ، والأكثرون على فصلها ، وهي في ما فعلن في أنفسهن ، وهو الثاني من البقرة و في ما آتاكم في المائدة والأنعام و في ما أوحي إلي .

[ ص: 150 ] في الأنعام أيضا و في ما اشتهت أنفسهم في الأنبياء و في ما أفضتم في النور و في ما رزقناكم في الروم ، وفي الزمر موضعان أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ، و في ما هم فيه يختلفون ، وفي ما لا تعلمون في الواقعة .

( وكي لا ) كتب مفصولا ، ولا نحو لكي لا يكون على المؤمنين حرج كي لا يكون دولة إلا أربعة مواضع وستأتي في الفصل الآتي ( ويوم هم ) مفصول في موضعين يوم هم بارزون في غافر و يوم هم على النار في الذاريات . وتقدم فصل لام الجر في مال الأربعة مواضع .

( وأما ولات حين ) فإن تاءها مفصولة من ( حين ) في مصاحف الأمصار السبعة فهي موصولة ، بلا زيدت عليها لتأنيث اللفظ كما زيدت في ( ربت وثمت ) ، وهذا هو مذهب الخليل وسيبويه والكسائي ، وأئمة النحو والعربية والقراءة ، فعلى هذا يوقف على التاء ، أو على الهاء بدلا منها كما تقدم . وقال : أبو عبيد القاسم بن سلام إن التاء مفصولة من ( لا ) موصولة بحين . قال : فالوقف عندي على ( لا ) والابتداء ( تحين ) لأني نظرتها في الإمام ( تحين ) التاء متصلة ، ولأن تفسير ابن عباس يدل على أنها أخت ليس والمعروف : لا - لا - لات قال : والعرب تلحق التاء بأسماء الزمان حين والآن وأوان فتقول كان هذا تحين كان لك ، وكذلك تأوان ذاك واذهب تالآن فاصنع كذا ، وكذا ، ومنه قول السعدي :

العاطفون تحين لا من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم



قال : وقد كان بعض النحويين يجعلون الهاء موصولة بالنون فيقولون : العاطفونه ، قال : وهذا غلط بين لأنهم صيروا التاء هاء ثم أدخلوها في غير موضعها ، وذلك أن الهاء إنما تقحم على النون موضع القطع والسكون فأما مع الاتصال فلا ، وإنما هو تحين ، قال : ومنه قول ابن عمر حين سئل عن عثمان رضي الله عنه ذكر مناقبه ثم قال : اذهب بهذه تالآن إلى أصحابك ثم ذكر غير ذلك من حجج ظاهرة ، وهو مع ذلك إمام كبير وحجة في الدين وأحد الأئمة المجتهدين مع أني أنا رأيتها مكتوبة في المصحف الذي يقال له الإمام مصحف

[ ص: 151 ] عثمان رضي الله عنه ( لا ) مقطوعة والتاء موصولة بحين ورأيت به أثر الدم وتبعت فيه ما ذكره أبو عبيد فرأيته كذلك ، وهذا المصحف هو اليوم بالمدرسة الفاضلية من القاهرة المحروسة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث