الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة اشترى ما يحتاج إلى قبضه

جزء التالي صفحة
السابق

( 2955 ) مسألة ; قال : ( ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه ، لم يجز بيعه حتى يقبضه ) قد ذكرنا الذي لا يحتاج إلى قبض ، والخلاف فيه . وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم { : من ابتاع طعاما ، فلا يبعه حتى يستوفيه } . متفق عليه . ولأنه من ضمان بائعه ، فلم يجز بيعه ، كالسلم ، ولم أعلم بين أهل العلم خلافا ، إلا ما حكي عن البتي ، أنه قال : لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه . وقال ابن عبد البر : وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام ، وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ، ومثل هذا لا يلتفت إليه .

وأما غير ذلك ، فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين ، ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وسعيد بن المسيب ، والحكم ، وحماد ، والأوزاعي ، وإسحاق . وعن أحمد رواية أخرى ، لا يجوز بيع شيء قبل قبضه . اختارها ابن عقيل . وروي ذلك عن ابن عباس .

وهذا قول أبي حنيفة ، والشافعي ، إلا أن أبا حنيفة أجاز بيع العقار قبل قبضه ، واحتجوا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه ، وبما روى أبو داود ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم . } وروى ابن ماجه { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء الصدقات حتى تقبض . } وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة ، قال : انههم عن بيع ما لم يقبضوه ، وعن ربح ما لم يضمنوه } . ولأنه لم يتم الملك عليه ، فلم يجز بيعه ، كغير المتعين ، أو كالمكيل ، والموزون .

ولنا ، ما روى ابن عمر ، قال { : كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم ، فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ، ونبيعها بالدنانير ، فنأخذ بدلها الدراهم ، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : لا بأس ، إذا تفرقتما وليس بينكما شيء } . وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه ، وهو أحد العوضين .

وروى ابن عمر { أنه كان على بكر صعب - يعنى لعمر - فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : بعنيه . فقال : هو لك يا رسول الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هو لك يا عبد الله بن عمر ، فاصنع به ما شئت } . وهذا ظاهره التصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه . واشترى من جابر جمله ، ونقده ثمنه ، ثم وهبه إياه قبل قبضه . ولأنه أحد نوعي المعقود عليه ، فجاز التصرف فيه قبل قبضه . كالمنافع في الإجارة ، فإنه يجوز له إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع .

ولأنه مبيع لا يتعلق به حق توفية ، فصح بيعه ، كالمال في يد مودعه ، أو مضاربه . فأما أحاديثهم ، فقد قيل : لم يصح منها إلا حديث الطعام ، وهو حجة لنا بمفهومه ، فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه ، يدل على إباحة ذلك فيما سواه . وقولهم : لم يتم الملك عليه ، ممنوع ، فإن السبب المقتضي للملك متحقق ، وأكثر ما فيه تخلف القبض ، واليد ليست شرطا في صحة البيع ، بدليل جواز بيع المال المودع ، والموروث ، والتصرف في الصداق ، وعوض الخلع عند أبي حنيفة .

( 2956 ) فصل : وما لا يجوز بيعه قبل قبضه ، لا يجوز بيعه لبائعه ; لعموم الخبر فيه . قال القاضي : ولو ابتاع شيئا مما يحتاج إلى قبض ، فلقيه ببلد آخر ، لم يكن له مطالبته ، ولا أخذ بدله ، وإن تراضيا ; لأنه مبيع لم [ ص: 92 ] يقبض . فإن كان مما لا يحتاج إلى قبض ، جاز أخذ البدل عنه . وإن كان في سلم لم يجز أخذ البدل عنه ; لأنه أيضا لا يجوز بيعه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث