الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة بيع المسلم فيه قبل قبضه

جزء التالي صفحة
السابق

( 3237 ) مسألة ; قال : ( وبيع المسلم فيه من بائعه ، أو من غيره ، قبل قبضه ، فاسد . وكذلك الشركة فيه ، والتولية ، والحوالة به ، طعاما كان أو غيره ) [ ص: 201 ] أما بيع المسلم فيه قبل قبضه ، فلا نعلم في تحريمه خلافا ، وقد { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه } ، وعن ربح ما لم يضمن . ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه ، فلم يجز بيعه ، كالطعام قبل قبضه .

وأما الشركة فيه والتولية ، فلا تجوز أيضا ; لأنهما بيع على ما ذكرنا من قبل . وبهذا قال أكثر أهل العلم . وحكي عن مالك جواز الشركة والتولية ; لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { نهى عن بيع الطعام قبل قبضه ، وأرخص في الشركة والتولية } .

ولنا ، أنها معاوضة في المسلم فيه قبل القبض ، فلم يجز ، كما لو كانت بلفظ البيع . ولأنهما نوعا بيع ، فلم يجوزا في المسلم قبل قبضه ، كالنوع الآخر ، والخبر لا نعرفه ، وهو حجة لنا ; لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه ، والشركة والتولية بيع فيدخلان في النهي . ويحمل قوله : وأرخص في الشركة والتولية . على أنه أرخص فيهما في الجملة ، لا في هذا الموضع . وأما الإقالة فإنها فسخ وليست بيعا . وأما الحوالة به فغير جائزة ، لأن الحوالة إنما تجوز على دين مستقر ، والسلم بغرض الفسخ ، فليس بمستقر .

ولأنه نقل للملك في المسلم فيه على غير وجه الفسخ ، فلم يجز كالبيع . ومعنى الحوالة به ، أن يكون لرجل طعام من سلم ، وعليه مثله من قرض أو سلم آخر أو بيع فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم ، فلا يجوز . وإن أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه لم يصح أيضا ; لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه ، فلم يجز ، كالبيع . وأما بيع المسلم فيه من بائعه ، فهو أن يأخذ غير ما أسلم فيه عوضا عن المسلم فيه . فهذا حرام ، سواء كان المسلم فيه موجودا أو معدوما ، سواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة ، أو أقل ، أو أكثر .

وبهذا قال أبو حنيفة ، والشافعي . وذكر ابن أبي موسى ، عن أحمد ، رواية أخرى في من أسلم في بر ، فعدمه عند المحل ، فرضي المسلم بأخذ الشعير مكان البر ، جاز . ولم يجز أكثر من ذلك . وهذا يحمل على الرواية التي فيها أن البر والشعير جنس واحد ، والصحيح في المذهب خلافه . وقال مالك : يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه ، يتعجله ولا يؤخره إلى الطعام . قال ابن المنذر : وقد ثبت أن ابن عباس قال : إذا أسلم في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه ، وإلا فخذ عوضا أنقص منه ، ولا تربح مرتين رواه سعيد في " سننه " . ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم { : من أسلم في شيء ، فلا يصرفه إلى غيره } . رواه أبو داود ، وابن ماجه . ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع ، فلم يجز ، كبيعه من غيره . فأما إن أعطاه من جنس ما أسلم فيه خيرا منه ، أو دونه في الصفات ، جاز ; لأن ذلك ليس ببيع ، إنما هو قضاء للحق ، مع تفضل من أحدهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث