الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية

القصة الخامسة - قصة عيسى وقصة مريم عليهما السلام

( وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين )

قوله تعالى : ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين )

اعلم أن ابن مريم هو عيسى عليه السلام ، جعله الله تعالى آية بأن خلقه من غير ذكر، وأنطقه في المهد في الصغر، وأجرى على يديه إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وأما مريم فقد جعلها الله تعالى آية; لأنها حملته من غير ذكر. وقال الحسن : تكلمت مريم في صغرها كما تكلم عيسى عليه السلام ، وهو قولها: ( هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) [آل عمران : 37] ولم تلقم ثديا قط، قال القاضي: إن ثبت ذلك فهو معجزة لزكريا عليه السلام ; لأنها لم تكن نبية، قلنا: القاضي إنما قال ذلك لأن عنده الإرهاص غير جائز وكرامات الأولياء غير جائزة، وعندنا هما جائزان فلا حاجة إلى ما قال، والأقرب أنه جعلهما آية بنفس الولادة; لأنه ولد من غير ذكر, وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجهان.

أحدهما: أنه تعالى قال: ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) لأن نفس الإعجاز ظهر فيهما لا أنه ظهر على يدهما، وهذا أولى من أن يحمل على الآيات التي ظهرت على يده نحو إحياء الموتى; وذلك لأن الولادة فيه وفيها آية فيهما، وكذلك أن نطقه في المهد وما عدا ذلك من الآيات ظهر على يده لا أنه آية فيه.

الثاني: أنه تعالى قال: (آية) ولم يقل : آيتين، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتم إلا بمجموعهما أولى ، وذلك هو أمر الولادة لا المعجزات التي كان عيسى عليه السلام مستقلا بها.

أما قوله تعالى : ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ) أي: جعلنا مأواهما الربوة, والربوة والرباوة في راءيهما الحركات الثلاث ، وهي الأرض المرتفعة، ثم قال قتادة وأبو العالية: هي إيلياء أرض بيت المقدس، وقال أبو هريرة رضي الله عنه : إنها الرملة . وقال الكلبي وابن زيد : هي بمصر . وقال الأكثرون: إنها دمشق . وقال مقاتل والضحاك : هي غوطة دمشق . والقرار : المستقر من [كل] أرض مستوية مبسوطة، وعن قتادة : ذات ثمار وماء، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها، والمعين : الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، فنبه سبحانه على كمال نعمه عليها بهذا اللفظ على اختصاره. ثم في المعين قولان، أحدهما: أنه مفعول؛ لأنه لظهوره يدرك بالعين ، من عانه : إذا أدركه بعينه، وقال الفراء والزجاج : إن شئت جعلته فعيلا من الماعون، ويكون أصله من المعن ، والماعون : فاعول منه، قال أبو علي : والمعين : السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى، والماعون : ما سهل على معطيه، ثم قالوا: وسبب الإيواء أنها فرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة ، وإنما ذهب بهما ابن عمها يوسف ثم رجعت إلى أهلها بعد أن مات ملكهم، وهاهنا آخر القصص ، والله أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث