الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

إذا ثبت هذا ؛ رجعنا منه إلى معنى آخر ، فنقول :

إذا تبين أن للراسخين طريقا يسلكونها في اتباع الحق ، وأن الزائغين على غير طريقهم ، فاحتجنا إلى بيان الطريق التي سلكها هؤلاء لنتجنبها ، كما نبين الطريق التي سلكها الراسخون لنسلكها ، وقد بين ذلك أهل أصول الفقه ، وبسطوا القول فيه ، ولم يبسطوا القول في طريق الزائغين ، فهل يمكن حصر مآخذها أو لا ؟

فنظرنا في آية أخرى تتعلق بهم كما تتعلق بالراسخين ، وهي قوله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [ ص: 286 ] فأفادت الآية أن طريق الحق واحدة ، وأن للباطل طرقا متعددة لا واحدة ، وتعددها لم يحص بعدد مخصوص .

وهكذا الحديث المفسر للآية ، وهو قول ابن مسعود : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ، فقال : هذا سبيل الله مستقيما ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ، وقال : هذه سبل ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم تلا هذه الآية .

ففي الحديث أنها خطوط متعددة غير محصورة بعدد ، فلم يكن لنا سبيل إلى حصر عددها من جهة النقل ، ولا لنا أيضا سبيل إلى حصرها من جهة العقل أو الاستقراء .

أما العقل ؛ فإنه لا يقضي بعدد دون آخر ؛ لأنه غير راجع إلى أمر محصور ، ألا ترى أن الزيغ راجع إلى الجهالات ؟ ووجوه الجهل لا تنحصر ، فصار طلب حصرها عناء من غير فائدة .

وأما الاستقراء ؛ فغير نافع أيضا في هذا المطلب ؛ لأنا لما نظرنا في طرق البدع من حين نبتت ؛ وجدناها تزداد على الأيام ، ولا يأتي زمان إلا وغريبة من غرائب الاستنباط تحدث ، إلى زماننا هذا ، وإذا كان كذلك ؛ فيمكن أن يحدث بعد زماننا استدلالات أخر لا عهد لنا بها فيما تقدم ، لا سيما عند كثرة الجهل ، وقلة العلم ، وبعد الناظرين فيه عن درجة الاجتهاد ، فلا يمكن إذا حصرها من هذا الوجه .

ولا يقال : إنها ترجع إلى مخالفة طريق الحق ؛ فإن وجوه المخالفات [ ص: 287 ] لا تنحصر أيضا ، فثبت أن تتبع هذا الوجه عناء ، لكنا نذكر من ذلك أوجها كلية يقاس عليها ما سواها .

فمنها : اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوب فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها :

كحديث الاكتحال يوم عاشوراء ، وإكرام الديك الأبيض ، وأكل الباذنجان بنية ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه . . . وما أشبه ذلك .

فإن أمثال هذه الأحاديث ـ على ما هو معلوم ـ لا يبنى عليها حكم ، ولا تجعل أصلا في التشريع أبدا ، ومن جعلها كذلك ؛ فهو جاهل أو مخطئ في نقل العلم ، فلم ينقل الأخذ بشيء منها عمن يعتمد به ( في ) طريقة العلم ولا طريقة السلوك .

وإنما أخذ بعض العلماء بالحديث الحسن ؛ لإلحاقه عند المحدثين بالصحيح ؛ لأن سنده ليس فيه من يعاب بجرحه متفق عليها ، وكذلك أخذ من أخذ منهم بالمرسل ليس إلا من حيث ألحق بالصحيح في أن المتروك ذكره كالمذكور والمعدل ، فأما ما دون ذلك ؛ فلا يؤخذ به بحال عند علماء الحديث .

ولو كان من شأن أهل الإسلام الذابين عنه الأخذ من الأحاديث بكل ما جاء عن كل من جاء ؛ لم يكن لانتصابهم للتعديل والتجريح معنى ، [ ص: 288 ] مع أنهم قد أجمعوا على ذلك ، ولا كان لطلب الإسناد معنى يتحصل ، فلذلك جعلوا الإسناد من الدين ، ولا يعنون : " حدثني فلان عن فلان " مجردا ، بل يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال الذين يحدث عنهم ، حتى لا يسند عن مجهول ولا مجروح ولا منهم ؛ إلا عمن تحصل الثقة بروايته ؛ لأن روح المسألة أن يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لنعتمد عليه في الشريعة ، ونسند إليه الأحكام .

والأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ، فلا يمكن أن يسند إليها حكم ، فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب ؟ ! نعم ؛ الحامل على اعتمادها في الغالب إنما هو ما تقدم من الهوى المتبع .

وهذا كله على فرض أن لا يعارض الحديث أصل من أصول الشريعة ، وأما إذا كان له معارض ؛ فأحرى أن لا يؤخذ به ؛ فهو هدم لأصل من أصول الشريعة ، والإجماع على منعه إذا كان صحيحا في الظاهر ، وذلك دليل على الوهم من بعض الرواة أو الغلط من بعض الرواة أو النسيان ، فما الظن به إذا لم يصح ؟

على أنه قد روي عن أحمد بن حنبل : أنه قال : " الحديث الضعيف خير من القياس " ، وظاهره يقتضي العمل بالحديث غير الصحيح ؛ لأنه قدمه على القياس المعمول ( به ) عند جمهور المسلمين ، بل هو إجماع السلف رضي الله عنهم ، فدل على أنه عنده أعلى رتبة من العمل بالقياس .

[ ص: 289 ] والجواب عن هذا : أنه كلام مجتهد يحتمل اجتهاده الخطأ والصواب ، إذ ليس له على ذلك دليل يقطع العذر ، وإن سلم ؛ فيمكن حمله على خلاف ظاهره ؛ لإجماعهم على طرح الضعيف الإسناد ، فيجب تأويله على أن يكون أراد به الحسن السند وما دار به على القول بإعماله ، أو أراد : خير من القياس لو كان مأخوذا به ، فكأنه يرد القياس بذلك الكلام مبالغة في معارضة من اعتمده أصلا حتى رد به الأحاديث ، وقد كان رحمه الله تعالى يميل إلى نفي القياس ، ولذلك قال : " ما زلنا نلعن أهل الرأي ويلعنونا حتى جاء الشافعي فخرج بيننا " ، أو أراد بالقياس القياس الفاسد الذي لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع ، ففضل عليه الحديث الضعيف وإن لم يعمل به ، وأيضا ؛ فإذا أمكن أن يحمل كلام أحمد على ما يسوغ ؛ لم يصح الاعتماد عليه في معارضة كلام الأئمة .

فإن قيل : هذا كله رد على الأئمة الذين اعتمدوا على الأحاديث التي لم تبلغ درجة الصحيح ؛ فإنهم كما نصوا على اشتراط صحة الإسناد ؛ كذلك نصوا أيضا على أن أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها للاعتماد صحة الإسناد ، بل إن كان ذلك ؛ فبها ونعمت ، وإلا ؛ فلا حرج على من نقلها واستند إليها ، فقد فعله الأئمة كـ مالك في الموطأ ، و ابن المبارك في " رقائقه " ، و أحمد بن حنبل في " رقائقه " ، و سفيان في " جامع الخير " ، وغيرهم .

فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلى الترغيب والترهيب ، وإذا جاز اعتماد مثله ؛ جاز فيما كان نحوه مما يرجع إليه ، كصلاة الرغائب ، [ ص: 290 ] والمعراج ، وليلة النصف من شعبان ، وليلة أول جمعة من رجب ، وصلاة الإيمان ، والأسبوع ، وصلاة بر الوالدين ، ويوم عاشوراء ، وصيام رجب ، والسابع وعشرين منه . . . . وما أشبه ذلك ؛ فإن جميعها راجع إلى الترغيب في العمل الصالح ، فالصلاة على الجملة ثابت أصلها ، وكذلك الصيام وقيام الليل ؛ كل ذلك راجع إلى خير نقلت فضيلته على الخصوص .

وإذا ثبت هذا ؛ فكل ما نقلت فضيلته في الأحاديث ؛ فهو من باب الترغيب ، فلا يلزم فيه شهادة أهل الحديث بصحة الإسناد ؛ بخلاف الأحكام .

فإذا ؛ هذا الوجه من الاستدلال من طريق الراسخين لا من طريق الذين في قلوبهم زيغ ، حيث فرقوا بين أحاديث الأحكام فاشترطوا فيها الصحة ، وبين أحاديث الترغيب والترهيب فلم يشترطوا فيها ذلك .

فالجواب : أن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب لا ينتظم مع مسألتنا المفروضة ، وبيانه : أن العمل المتكلم فيه إما أن يكون منصوصا على أصله جملة وتفصيلا ، أو لا يكون [ ص: 291 ] منصوصا عليه لا جملة ولا تفصيلا ، أو يكون منصوصا عليه جملة لا تفصيلا .

فالأول : لا إشكال في صحته ؛ كالصلوات المفروضات ، والنوافل المرتبة لأسباب وغير أسباب ، وكالصيام المفروض أو المندوب على الوجه المعروف ؛ إذا فعلت على الوجه الذي نص عليه من غير زيادة ولا نقصان ؛ كصيام عاشوراء ، أو يوم عرفة ، والوتر بعد نوافل الليل ، وصلاة الكسوف .

فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحا على ما شرطوا ، فثبتت أحكامها من الفرض والسنة والاستحباب ، فإذا ورد في مثلها أحاديث ترغيب فيها أو تحذير من ترك الفرض منها ، وليست بالغة مبلغ الصحة ، ولا هي أيضا من الضعف بحيث لا يقبلها أحد أو كانت موضوعة لا يصح الاستشهاد بها ؛ فلا بأس بذكرها ، والتحذير بها والترغيب ؛ بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح .

والثاني : ظاهر أنه غير صحيح ، وهو عين البدعة ؛ لأنه لا يرجع إلا لمجرد الرأي المبني على الهوى ، وهو أبدع البدع وأفحشها ؛ كالرهبانية المنفية عن الإسلام ، والخصاء لمن خشي العنت ، والتعبد بالقيام في الشمس ، أو بالصمت من غير كلام أحد ، فالترغيب في مثل هذا لا يصح ، إذ لا يوجد في الشرع ، ولا أصل له يرغب في مثله ، أو يحذر من مخالفته .

والثالث : ربما يتوهم أنه كالأول ، من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة ؛ فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة ، فمطلق التنفل بالصلاة مشروع ، فإذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من [ ص: 292 ] شعبان ؛ فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة ، وكذلك إذا ثبت أصل صيام ؛ ثبت صيام السابع والعشرين من رجب . . . . وما أشبه ذلك .

وليس كما توهموا ؛ لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل ، فإذا ثبت مطلق الصلاة ؛ لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر أو غيرها حتى ينص عليها على الخصوص ، وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام ؛ لا يلزم منه إثبات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك ، حتى يثبت بالتفصيل بدليل صحيح ، ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح .

وليس فيما ذكر في السؤال شيء من ذلك ، إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل الليلي والنهاري في الجملة وبين قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ركعة يقرأ في كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة ، ومثله صيام اليوم الفلاني من الشهر الفلاني ، حتى تصير تلك العبادة مقصودة على الخصوص ، ليس في شيء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام .

والدليل على ذلك أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما يتضمن حكما شرعيا فيه على الخصوص ؛ كما ثبت لعاشوراء ـ مثلا ـ أو لعرفة أو لشعبان مزية على مطلق التنفل بالصيام ، فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق الأيام ؛ فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها ، بحيث لا تفهم من مطلق مشروعية صيام النافلة ؛ لأن مطلق المشروعية يقتضي أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف في الجملة ، وصيام يوم عاشوراء يقتضي أنه يكفر السنة التي قبله ، فهو أمر زائد [ ص: 293 ] على مطلق المشروعية ، ومساقه يفيد له مزية في الرتبة ، وذلك راجع إلى الحكم .

فإذا ؛ هذا الترغيب الخاص يقتضي مرتبة في نوع من المندوب خاصة ، فلا بد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة ؛ بناء على قولهم : " إن الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح " ، والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا بد فيها من الزيادة على المشروعات ؛ كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية ما ، فليلزم أن تكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح ، وهو ناقض لما أسسه العلماء .

ولا يقال : إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط ؛ لأنا نقول : هذا تحكم من غير دليل ، بل الأحكام خمسة ، فكما لا يثبت الوجوب إلا بالصحيح ؛ [ فكذلك لا يثبت الندب والكراهة والإباحة إلا بالصحيح ] ، فإذا ثبت الحكم فاستسهل أن يثبت في أحاديث الترغيب والترهيب ، ولا عليك .

فعلى كل تقدير : كل ما رغب فيه ؛ إن ثبت حكمه ومرتبته في المشروعات من طريق صحيح ؛ فالترغيب فيه بغير الصحيح مغتفر ، وإن لم يثبت إلا من حديث الترغيب ؛ فاشترط الصحة أبدا ، وإلا ؛ خرجت عن طريق القوم المعدودين في أهل الرسوخ ، فلقد غلط في المكان جماعة ممن ينسب إلى الفقه ، ويتخصص عن العوام بدعوى رتبة الخواص ، وأصل هذا الغلط عدم فهم كلام المحدثين في الموضعين ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث