الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الرد على من قال إذا خرج نهارا لم يقصر إلى الليل

جزء التالي صفحة
السابق

باب الرد على من قال إذا خرج نهارا لم يقصر إلى الليل

1162 - ( عن أنس قال : { صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين } متفق عليه ) .

[ ص: 245 ] وعن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال : سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال : { كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال ، أو ثلاثة فراسخ ، صلى ركعتين } - شعبة الشاك - رواه أحمد ومسلم وأبو داود ) .

التالي السابق


قوله : ( وصليت معه العصر بذي الحليفة ) هكذا في رواية للبخاري ذكرها الكشميهني وهي ثابتة عند مسلم وعند البخاري أيضا في كتاب الحج . وقد استدل بذلك على إباحة القصر في السفر القصير ، لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال . وتعقب بأن ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر ، وإنما خرج إليها حيث كان قاصدا إلى مكة واتفق نزوله بها وكانت أول صلاة حضرت صلاة العصر فقصرها واستمر يقصر إلى أن رجع .

قوله : ( إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال ) اختلف في تقدير الميل ، فقال في الفتح : الميل هو من الأرض منتهى مد البصر ، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه ، وبذلك جزم الجوهري . وقيل : أن ينظر إلى الشخص في أرض مستوية فلا يدري أرجل هو أم امرأة أو ذاهب أو آت ؟ . قال النووي : الميل ستة آلاف ذراع ، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة ، والأصبع ست شعيرات معترضة معتدلة . قالالحافظ : وهذا الذي قال هو الأشهر . ومنهم من عبر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان . وقيل : هو أربعة آلاف ذراع . وقيل : ثلاثة آلاف ذراع نقله صاحب البيان . وقيل : خمسمائة وصححه ابن عبد البر . وقيل : ألفا ذراع . ومنهم من عبر عن ذلك بألف خطوة للجمل . قال : ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحريره قد حرره غيره بذراع الحديد المشهور في مصر والحجاز في هذه الأعصار ، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن ، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد في القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعا . قوله : ( أو ثلاثة فراسخ ) الفرسخ في الأصل : السكون ، ذكره ابن سيده . وقيل : السعة . وقيل : الشيء الطويل . وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب ، وهو ثلاثة أميال . واعلم أنه قد وقع الخلاف الطويل بين علماء الإسلام في مقدار المسافة التي يقصر فيها الصلاة . قال في الفتح : فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوا من عشرين قولا ، أقل ما قيل في ذلك : يوم وليلة ، وأكثره : ما دام غائبا عن بلده .

وقيل : أقل ما قيل في ذلك الميل كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر . وإلى ذلك ذهب ابن حزم الظاهري ، واحتج له بإطلاق السفر في كتاب الله تعالى كقوله : { وإذا ضربتم في الأرض } الآية ، [ ص: 246 ] وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فلم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعهم سفرا من سفر .

ثم احتج على ترك القصر فيما دون الميل بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصر ولا أفطر . وذكر في المحلى من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء في تقدير مسافة القصر أقوالا كثيرة ولم يحط بها غيره واستدل لها ورد تلك الاستدلالات . وقد أخذ بظاهر حديث أنس المذكور في الباب الظاهرية كما قال النووي . فذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال .

قال في الفتح : وهو أصح حديث ورد في ذلك وأصرحه ، وقد حمله من خالفه على أن المراد المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر . قال : ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال : سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع ، فقال أنس ، فذكر الحديث .

قال : فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدئ القصر منه . وذهب الشافعي ومالك وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم إلى أنه لا يجوز إلا في مسيرة مرحلتين وهما ثمانية وأربعون ميلا هاشمية كما قال النووي . وقال أبو حنيفة والكوفيون : لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل

وروي عن عثمان وابن مسعود وحذيفة . وفي البحر عن أبي حنيفة أن مسافة القصر أربعة وعشرون فرسخا . وحكى في البحر أيضا عن زيد بن علي والنفس الزكية والداعي والمؤيد بالله وأبي طالب والثوري والكرخي وإحدى الروايات عن أبي حنيفة أن مسافة القصر ثلاثة أيام بسير الإبل والأقدام .

وذهب الباقر والصادق وأحمد بن عيسى والقاسم والهادي إلى أن مسافته بريد فصاعدا . وقال أنس وهو مروي عن الأوزاعي : إن مسافته يوم وليلة . قال في الفتح : وقد أورد البخاري ما يدل على أن اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة يعني قوله في صحيحه : وسمى النبي صلى الله عليه وسلم السفر يوما وليلة بعد قوله : باب في كم يقصر الصلاة .

وحجج هذه الأقوال مأخوذ بعضها من قصره صلى الله عليه وسلم في أسفاره ، وبعضها من قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم } عند الجماعة إلا النسائي . وفي رواية للبخاري من حديث ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم : { لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم } وفي رواية لأبي داود { لا تسافر المرأة بريدا } ولا حجة في جميع ذلك ، أما قصره صلى الله عليه وسلم في أسفاره فلعدم استلزام فعله لعدم الجواز فيما دون المسافة التي قصر فيها .

وأما نهي المرأة عن أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم فغاية ما فيه إطلاق اسم السفر على مسيرة ثلاثة أيام وهو غير مناف للقصر فيما دونها ، وكذلك نهيها عن سفر اليوم بدون محرم ، والبريد لا ينافي [ ص: 247 ] جواز القصر في ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ كما في حديث أنس ، لأن الحكم على الأقل حكم على الأكثر وأما حديث ابن عباس عند الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال { : يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان } فليس مما تقوم به حجة ، لأن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر وهو متروك ، وقد نسبه النووي إلى الكذب وقال الأزدي : لا تحل الرواية عنه ، والراوي عنه إسماعيل بن عياش وهو ضعيف في الحجازيين وعبد الوهاب المذكور حجازي ، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس كما أخرجه عنه الشافعي بإسناد صحيح ومالك في الموطأ .

إذا تقرر لك هذا فالمتيقن هو ثلاثة فراسخ ، لأن حديث أنس المذكور في الباب متردد ما بينها وبين ثلاثة أميال ، والثلاثة الأميال مندرجة في الثلاثة الفراسخ ، فيؤخذ بالأكثر احتياطا ، ولكنه روى سعيد بن منصور عن أبي سعيد قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة } وقد أورد الحافظ هذا في التلخيص ولم يتكلم عليه ، فإن صح كان الفرسخ هو المتيقن ولا يقصر فيما دونه إلا إذا كان يسمى سفرا لغة أو شرعا . وقد اختلف أيضا فيمن قصد سفرا يقصر في مثله الصلاة على اختلاف الأقوال من أين يقصر ، فقال ابن المنذر : أجمعوا على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها . واختلفوا فيما قبل الخروج من البيوت ، فذهب الجمهور إلى أنه لا بد من مفارقة جميع البيوت ، وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله . ومنهم من قال : إذا ركب قصر إن شاء . ورجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت .

واختلفوا فيما قبل ذلك فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أن له القصر . قال : ولا أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث