الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم } : يعني بالنكاح أو بالشراء ، فأباح الله الحكيم الفروج بالأموال والإحصان دون [ ص: 497 ] السفاح وهو الزنا ; وهذا يدل على وجوب الصداق في النكاح ، لكن رخص في جواز السكوت عنه عند العقد كما تقدم في التفويض في سورة البقرة ، وقد حققناه هنالك في مسائل الخلاف .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الثالثة عشرة : قال الله سبحانه : { أن تبتغوا بأموالكم } مطلقا ، فتعلق الشافعي بهذا الإطلاق في جواز الصداق بكل قليل وكثير ، وعضد ذلك بحديث الموهوبة في الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلم : { التمس ولو خاتما من حديد } .

                                                                                                                                                                                                              ولنا فيه طرق ; أقواها أن الله تبارك وتعالى لما حرم استباحة هذا العضو وهو البضع إلا ببدل وجب أن يتقرر ذلك البدل ; بيانا لخطره وتحقيقا لشرفه ، لا سيما وهو حق الله تعالى ; وحقوق الله مقدرة كالشهادات والكفارات والزكاة و [ نصب ] السرقة والديات . وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف ; فوجب أن يتخصص هذا الإطلاق بهذه الأدلة ، لا سيما ومساق هذا اللفظ إيجاب البدل ، وليس المقصود الإشارة بعمومه . فأما حديث خاتم الحديد فخاتم في العرف يتزين به ، قيمته أكثر من ربع دينار ، وهذا ظاهر ; فتأمل تحقيقه في موضعه .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الرابعة عشرة : لما أمر الله تعالى بالنكاح بالأموال لم يجز أن يبذل فيه ما ليس بمال ، وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع ، ويعتد للانتفاع ، هذا رسمه في الجملة ، وفيه تفصيل . وتحقيق بيانه في كتب المسائل يترتب عليه أن منفعة الرقبة في الإجارة مال ، وأن [ ص: 498 ] منفعة التعليم للعلم كله مال ، وفي جواز كونه صادقا كلام يأتي بيانه في سورة القصص إن شاء الله تعالى . وأما عتق الأمة فليس بمال . وقال أحمد بن حنبل : هو مال يجوز النكاح بمثله ، لأن { النبي صلى الله عليه وسلم جعله صداقا في نكاحه لصفية بنت حيي بن أخطب فإنه أعتقها بتزوجها وجعل عتقها صداقها } ، رواه أنس في الصحيح . وقال علماؤنا : كان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا في النكاح وغيره بخصائص ، ومن جملتها أنه كان ينكح بغير ولي ولا صداق ، فإنه كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وقد أراد زينب فحرمت على زيد ، فلا يجوز أن يستدل بمثل هذا . وقد حققنا خصائصه في سورة الأحزاب ، وقد عضد ذلك علماؤنا بأن قالوا : إن قوله : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ; وذلك لا يتصور في العتق ، وقد مهدناه في مسائل الخلاف .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية