الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 283 ]

                لنا : القطع بجواز قول السيد لعبده : خط هذا الثوب ، أو ابن هذه الحائط ، لا أوجبهما عليك جميعا ، ولا واحدا معينا ، بل أنت مطيع بفعل أيهما شئت . ولأن النص ورد في خصال الكفارة بلفظ ( أو ) ، وهي للتخيير والإبهام .

                قالوا : فإن استوت الخصال بالإضافة إلى مصلحة المكلف وجبت ، وإلا اختص بعضها بذلك ، فيجب .

                التالي السابق


                قوله : " لنا : القطع " هذا حين الشروع في أدلة المسألة .

                وتقرير هذا الدليل : أن ما ذكرناه من إيجاب واحد غير معين جائز عقلا وشرعا .

                أما عقلا ، فلأن السيد يجوز أن يقول لعبده : " خط هذا الثوب ، أو ابن هذا الحائط ، لا أوجبهما عليك جميعا ، ولا واحدا " منهما " معينا ، بل أنت مطيع بفعل أيهما شئت " فهذا واجب مخير ، لأنه نفى وجوب الجميع ، ووجوب المعين ، وقد سبق أن الواجب عليه فعله أحدهما ، فلا يصح أن الواجب منهما ما يفعله العبد ، إذ يلزم أن قبل فعله لم يجب عليه شيء ، وهو مناقض لسبق الوجوب عليه ، فتعين أن الواجب عليه واحد غير معين يعينه باختياره وهو المطلوب .

                وأما شرعا ، فلأن النص ورد في خصال كفارة اليمين بلفظ ( أو ) ، وهي للتخيير والإبهام ، فيقتضي أن الواجب منها واحد مخير ، كما قاله الجمهور ، وهو المطلوب . واستدلالنا ههنا على الجواز الشرعي ، وقد ثبت الوقوع ، وهو مستلزم للجواز .

                قلت : وفي الاستدلال على الجواز بالوقوع نظر ، لأنه إن كان في المسألة خصم منازع ، كان دعوى الوقوع محل النزاع ، بل هو يقول : الواجب في خصال الكفارة الجميع ، لأنها فرد من أفراد محل النزاع . [ ص: 284 ]

                تنبيه : هذه المسألة ، إنما وضعها الأصوليون لأجل خصال الكفارة ، وما أشبهها من الأحكام التخييرية ، ولهذا لا تكاد تجد أحدا منهم يمثل إلا بها . وبعضهم يذكر قوله سبحانه وتعالى : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [ البقرة : 196 ] في فدية الحلق في الإحرام .

                وتمسك الجمهور في التخيير إنما هو بلفظ " أو " في الكفارة وشبهها ، فينبغي لنا تحقيق القول في معنى " أو " لغة ، ثم فيما ينبني عليه من الأحكام شرعا ، إذ كان الشيخ أبو محمد لم يعقد لحروف المعاني بابا مفردا على عادة أكثر الأصوليين ، يذكر أحكام " أو " وغيرها من الحروف فيه ، وتابعته على ذلك .

                أما الكلام على " أو " من حيث اللغة ، فأنا ألخص أقوال من وقفت على قوله من أهل العلم فيها ، وأنبه على ما في كلامهم مما ينبغي التنبيه عليه . وقد سبق الوعد مني بذكر أقسام " أو " عند تعريف الحكم بأنه خطاب الله تعالى بالاقتضاء ، أو التخيير .

                فقال القرافي : " أو " لها خمسة معان : الإباحة والتخيير ، نحو : اصحب العلماء أو الزهاد ، فلك الجمع بينهما ، وخذ الثوب أو الدينار ، فليس لك الجمع [ ص: 285 ] بينهما ، والشك ، نحو : جاءني زيد أو عمرو ، وأنت لا تدري الآتي منهما ، والإبهام نحو : جاءني زيد أو عمرو ، وأنت تعلم الآتي منهما ، وإنما قصدت الإبهام على السامع خشية مفسدة التعيين . والتنويع : نحو : العدد إما زوج أو فرد ، قاله المبرد .

                قلت : ومقتضى تقسيمه ، أن الإباحة والتخيير قسمان من أقسامها الخمسة ، وكلامه نص في ذلك .

                والتحقيق ، أنهما قسم واحد ، كما سيأتي في كلام المبرد إن شاء الله تعالى ، لأن حقيقة الإباحة هي التخيير ، بأن يقال : إن شئت افعل كذا ، وإن شئت لا تفعل .

                هذا هو معناها على كل قول ، فجعلهما قسمين يوهم أن بينهما تفاوتا ، وليس كذلك . وأما ما ذكره من جواز الجمع بين العلماء والزهاد في الصحبة ، دون الثوب والدينار في الأخذ ، فليس ذلك من وضع اللفظ ، وإنما هو من قرينة عرفية ، وهو أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد لا خسارة فيه ولا نقص ، بل هو زيادة في دين الآمر والمأمور ومروءتهما ، بخلاف أخذ الثوب والدينار ، فإن اجتماعهما للمأمور نقص في مالية الآمر ، إذا كان بائعا أو واهبا ونحوه ، وهو في العرف لا يوثر ذلك ، وهذا كله مشار إليه في كتاب المبرد ، في كتاب " حروف القرآن " ، له عند قوله تعالى : أو كصيب من السماء [ البقرة : 19 ] ، حيث قال : وأو ، تكون لأحد الشيئين أو الأشياء ، وتكون للإباحة ، وأصل ذلك واحد . [ ص: 286 ]

                قلت : تبين بهذا ما قلته ، من أن الإباحة والتخيير قسم واحد .

                ثم قال المبرد في المثال : تقول : جالس زيدا أو عمرا أو خالدا ، أي : كل واحد من هؤلاء أهل للمجالسة ، فإن جالست الجميع ، فأنت مطيع ، وإن جالست واحدا لم تعص . فإذا قلت : خذ مني ثوبا أو دينارا ، فالمعنى أن كل واحد منهما أهل لأن تأخذه ، ولكن المعطي يمنعك ، فإنهما واحد في أن كل واحد منهما مرضي ، إلا أن لأحدهما مانعا .

                قلت : قوله : ولكن المعطي يمنعك ، يعني الجمع بين الثوب والدينار ، وليس في كلام القائل ما يدل على المنع إلا قرينة العرف التي ذكرناها ، وإلا فلفظ " أو " معناها في الصورتين واحد .

                وقال الجوهري : أو : حرف ، إذا دخل على الخبر دل على الشك والإبهام ، وإذا دخل على الأمر والنهي ، دل على التخيير والإباحة . فالشك كقولك : رأيت زيدا أو عمرا ، والإبهام ، كقوله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [ سبأ : 24 ] ، والتخيير ، كقولك : كل السمك أو اشرب اللبن ، أي : لا تجمع بينهما ، والإباحة كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين .

                قلت : فقد فرق بين التخيير والإباحة ، حيث أفرد كل واحدة منهما بلفظ [ ص: 287 ] ومثال . وكذلك ابن جني في " اللمع " وغيره فرقوا بينهما ، فكأنهم يرون جواز الجمع في الإباحة دون التخيير .

                قلت : وإنما ذلك للقرينة العرفية كما ذكرت ، فإن الجمع بين السمك واللبن في الأكل مضر مذموم من جهة الطب ، بخلاف الجمع بين الحسن وابن سيرين في المجالسة ، فلذلك فهموا الفرق ، لا لمعنى خاص بالتخيير دون الإباحة .

                وقال ابن قتيبة في " مشكل القرآن " : " أو " تأتي للشك نحو : رأيت عبد الله أو محمدا ، وتكون للتخيير ، كما في آية الكفارة ، وفدية الحلق ، وتلاهما .

                قلت : وقد لاح من كلام الجوهري وغيره الفرق بين الإباحة والتخيير ، وبقية معاني " أو " ، وأن الإباحة والتخيير ، في الطلب ، والشك والإبهام والتنويع ، في الخبر . وصرح القرافي بهذا الفرق بينهما .

                قلت : وقد ذكر أهل اللغة ، أن " أو " جاءت على غير بابها في اقتضائها أحد الشيئين في مواضع متعددة ، نذكر منها ما تيسر ، ونبين أنها جارية على مقتضى " أو " في أصل الباب ، وأن خلاف ذلك إما تسامح ، أو وهم ممن قاله .

                وقد قال ابن جني في " اللمع " - وهو من فحول أهل اللغة وأئمتهم - : وأين وقعت " أو " فهي لأحد الشيئين . وكذلك حكى القاضي أبو يعلى في " العدة " عن أحمد رحمه الله . وهذا هو الأصل المختار ، وهو حمل ألفاظ الكتاب والسنة على مقتضياتها الظاهرة المشهورة في عرف أهل اللغة ، ما لم يمنع منه مانع قاطع أو راجح ، ولا يتسارع إلى تحريفها عن موضوعاتها بأدنى احتمال ، فمن المواضع [ ص: 288 ] المذكورة ما ذكره ابن قتيبة في قوله سبحانه وتعالى : فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا [ المرسلات : 5 - 6 ] ، لعله يتذكر أو يخشى [ طه : 44 ] ، لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا [ طه : 113 ] ، أن " أو " في هذه المواضع عند المفسرين بمعنى واو النسق .

                قلت : وتوجيهها على أصل الباب ، أنها في قوله سبحانه وتعالى : عذرا أو نذرا للتنويع ، ومعناه أن الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء منوعا ، أي : إعذار من الله تعالى إليهم ، وإنذار لهم . والكلام هنا في سياق القسم ، كأنه سبحانه وتعالى قال : أقسمت بالملائكة الملقيات الذكر ، إعذارا أو إنذارا ، أي ذلك شئت أيها النبي ، أو شئتم أيها الكافرون ، فهو قسم عظيم ، كقوله : فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم [ الواقعة : 75 - 76 ] ، وكقوله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا [ الإسراء : 110 ] ، أي : بأيهما دعوته فهو عظيم ، وهو الله سبحانه وتعالى . وأما قوله تعالى : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [ طه : 44 ] ، فمعناه : ألينا له القول ، على رجاء منكما أحد الأمرين منه ، تذكره أو خشيته ، لأن المقصود - وهو إيمانه - يترتب غالبا على كل واحد منهما ، لأن من خشي الله تعالى آمن به ، ومن تذكر وأجاد النظر ، ترتب على تذكره العلم بالوحدانية ، ثم ترتب على ذلك العلم الإيمان .

                وكذا الكلام في قوله تعالى : لعلهم يتقون أو يحدث - يعني القرآن - لهم ذكرا [ طه : 113 ] أي : صرفنا لهم الوعيد في القرآن ، وعاملناهم [ ص: 289 ] معاملة من يرجو منهم ، أو لهم أحد الأمرين : التقوى أو إحداث الذكرى ، لأن المقصود يحصل بكل واحد منهما ، بالتقوى بغير واسطة ، أو بالذكر بواسطة التقوى ، لأن من حدث له ذكر ونظر ، اتقى الله غالبا ، كما سبق .

                ومنها ما ذكره ابن قتيبة أيضا في قوله تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب [ النحل : 77 ] ، وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون [ الصافات : 147 ] ، فكان قاب قوسين أو أدنى [ النجم : 9 ] فقال : ذهب بعضهم إلى أن " أو " في هذه الآيات ، بمعنى بل ، على مذهب التدارك لكلام غلط فيه . قال : وليس كما تأولوا ، بل هي في هذه المواضع بمعنى الواو .

                قلت : وتوجيه هذه الآيات على أصل الباب .

                أما قوله سبحانه وتعالى : كلمح البصر أو هو أقرب فمعناه - والله أعلم - : لو كشف لكم عن أمر الساعة وسرعته ، لترددتم : هل هو كلمح البصر أو أقرب منه .

                وأما قوله تعالى : إلى مئة ألف أو يزيدون ، فقد ذكر الجوهري فيها قولين :

                أحدهما : أنها بمعنى بل يزيدون ، وأنشد عليه قول ذي الرمة :


                بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح

                أي : بل أنت .

                والقول الثاني : أنها على أصلها في التردد والشك بالنسبة إلى المخاطبين : أي : لو رأيتموهم ، لترددتم . هل هم مائة ألف أو يزيدون ؟ قال المبرد : هو كقوله عز وجل : [ ص: 290 ] يرونهم مثليهم رأي العين [ آل عمران : 13 ] ، قال : هذا كقولك : رأيت زيدا أو عمرا ، لأن ههنا المرئي ليس إلا واحدا منهما ، لا يجتمع أحدهما مع الآخر ، وههنا قد ثبت مائة ألف مع الزيادة عليها على تقدير تحققها . هذا معنى كلامه في هذا . قلت وأما بيت ذي الرمة ، فهو متجه على أصل الباب ، لأن مقصوده منه أن محبوبته لفرط جمالها يتردد الناظر بينها وبين صورة الشمس أيهما أملح ، كما قال الآخر :


                فوالله ما أدري أأنت كما أرى أم العين مزهو إليها حبيبها

                أي : إني متردد في أمرك ، فما أدري : هل بجمالك الذي أدركه تحقق في نفس الأمر ، أو أن ذلك يخيل إلي لفرط حبي إياك ؟

                ومنها قوله سبحانه وتعالى : أو كصيب من السماء [ البقرة : 19 ] ، زعم بعضهم أنها بمعنى الواو ، وبعضهم بمعنى بل ، تقديره : مثلهم كمثل المستوقد والصيب ، أو كمثل المستوقد بل الصيب ، وليس بشيء ، بل هي على أصلها في التخيير ، كأن الله سبحانه وتعالى قال للمخاطبين : قد علمتم حال هؤلاء المنافقين ، فلكم أن تجعلوا مثلهم كمثل المستوقد ، أو الصيب ، لأن تمثلهم بكل واحد منهما صحيح مطابق .

                ومنها قوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة [ ص: 291 ] [ البقرة : 74 ] ، كما ذكر في قوله : ويزيدون زعم بعضهم أنها كالتي قبلها ، بمعنى الواو ، أو بل ، وهو ضعيف أيضا ، وتخرجهما على أصل الباب من وجهين ذكرهما المبرد :

                أحدهما : أن التقدير : لو كشف لكم عن قلوبكم في قساوتها ، لترددتم ، هل هي كالحجارة أو أشد قسوة ؟ كما ذكر في قوله : أو يزيدون .

                والثاني : أنها للتنويع . والمعنى : أن بعضكم قلوبهم كالحجارة ، وبعضكم قلوبهم أقسى ، كما يقال : أتيت بني فلان ، فما رأيت إلا فقيها أو قارئا .

                هذا حاصل كلامه ، والوجه الأول ، لا يتحصل منه إلا بالقوة . وذكر الجوهري أن " أو " تكون بمعنى " إلى " كقولك : لأضربنه أو يتوب .

                قلت : وهذه هي التي ينتصب بعدها الفعل المضارع بإضمار " أن " ، وأمثلتها كثيرة ، وهي راجعة إلى أصل الباب ، لأن التقدير : لأخيرنه بين التوبة والضرب . وحقيقة المعنى على ذلك ، كما قال الأعشى :


                خسفان ثكل وغدر أنت بينهما فاختر وما فيهما حظ لمختار

                وكذلك قول امرئ القيس :


                [ فقلت له لا تبك عينك ] إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

                أي : غاية سعينا ومحاولتنا أحد شيئين : إما الملك ، أو الموت دونه فنعذر . [ ص: 292 ]

                فأما قوله سبحانه وتعالى : ولا تطع منهم آثما أو كفورا [ الإنسان : 24 ] ، فلم يحضرني الآن كلام أحد فيه ، إلا القاضي أبا يعلى في " العدة " فقال : " أو " إذا كانت في الخبر ، فهي للشك ، وإذا كانت في الطلب والأمر فهي للتخيير ، وإذا كانت في النهي ، فقد تكون للجمع ، كقوله تعالى : ولا تطع منهم آثما أو كفورا . وقيل : تكون للتخيير ، لأن النهي أمر بالترك ، وأيهما ترك كان مطيعا ، وهو الصحيح .

                قلت : أما التخيير في هذه الآية ، فضعيف ، لأنه - عليه السلام - مأمور بمعصية الآثم منهم والكفور جميعا ، فلا يخرج عن العهدة بمعصية أحدهما .

                وأما في غير الآية ، فالتخيير محتمل ، نحو : لا تأكل خبزا أو تمرا ، أو لا تصحب زيدا أو عمرا . أي : أنت منهي عن أكل أو صحبة أحدهما أيهما شئت .

                ومعنى كون النهي بأو للجمع ، ما ذكره المبرد في أثناء كلامه على قوله تعالى : أو كصيب من السماء [ البقرة : 19 ] ، وهو قوله : والنهي أن تقول : لا تجالس زيدا أو عمرا ، ليس فيهما رضى ، فإن جالسهما أو أحدهما على الانفراد ، أو الاجتماع ، فهو عاص .

                قلت : وعلى هذا استقر الحكم في الآية المذكورة . وزعم بعضهم أن " أو " فيها [ ص: 293 ] بمعنى ولا ، أي لا تطع منهم آثما ولا كفورا ، تحقيقا لإفادة الجمع ، وهو غلو في التحريف .

                وبعضهم قال : هي بمعنى الواو ، وتقديره : لا تطع منهم آثما وكفورا .

                وهو ظاهر الفساد ، لأنه يقتضي أنه إنما نهى عن طاعتهما جميعا ، وليس فيه دلالة على النهي عن طاعة أحدهما . والمعنى على أنه منهي عن طاعتهما على الجمع والإفراد .

                والأقرب في تخريجهما على أصل الباب ، أنها للتنويع ، إذ من القوم من كان يكذبه ولا يأتمنه على ما يقول ، فهذا كفور ، كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما ، ومنهم من كان مصدقا له ظاهرا وباطنا ، ولكن منعه الحياء والنخوة من متابعته ، كأبي طالب وكثير من أهل الكتاب الذين قال الله تعالى فيهم : وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم [ البقرة : 144 ] ، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [ البقرة : 146 ] ، فهذا النوع ، منهم آثم ، وليس كافرا من هذه الجهة ، لأنه معتقد للصدق وإنما كفر هذا النوع من جهة أخرى ، وهي الاستكبار والاحتشام عن متابعة الحق ، ككفر إبليس بالاستكبار مع العيان ، فالله تعالى نهاه عن طاعتهم ، ونوعهم له إلى مصدق آثم بالاستكبار ، وإلى [ ص: 294 ] مكذب كافر بالتكذيب ، فتقديره : لا تطع منهم أحدا ، لا من نوع الأثمة ولا من نوع الكفرة . مع أن النوعين يجمعهم الكفر ، لكن جهة كفرهم مختلفة كما بينا ، فهذا ما اتفق من تحقيق القول في معنى " أو " لغة .

                ولعل بعض من يقف على هذا الكلام يزعم أني أطنبت فيه ، وخرجت عما أنا بصدده من مسائل الأصول إلى مباحث اللغة ، وإنما قصدت أن أقرر هذه القاعدة ، لأنها من الكليات ، وقد وقع فيها الخلف والاضطراب ، فكان في تحقيق القول فيها كشف اللبس عن الناظر في الكتاب والسنة وغيرهما ، فإن من تدبر تخريجنا للصور المذكورة على أصل الباب في " أو " ، أمكنه أن يخرج على ذلك ما وقع له من الصور التي لم نذكرها ، وإنما وضعنا هذا للمحققين العارفين للعلم والنظر فيه ، ولا عبرة بأهل الضجر وضعف النظر .

                وأما ما ينبني على القاعدة المذكورة من الأحكام شرعا ، فمنه الكفارات ، ومنها كفارة الوطء في رمضان ، وهل هي على الترتيب أو التخيير بين عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا ؟ فيه خلاف بين العلماء ، وقولان لأحمد ، أظهرهما الترتيب ، إلحاقا لها بكفارة الظهار قياسا ، ولظاهر حديث الأعرابي حيث بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بالعتق ، ثم الصيام ، ثم الإطعام . [ ص: 295 ]

                ومنها كفارتا الظهار والقتل ، وهما على الترتيب في الخصال الثلاث ، وما أظن أحدا قال فيهما بالتخيير ، لنص الكتاب على الترتيب بقوله تعالى : فمن لم يجد ، فمن لم يستطع [ المجادلة : 4 ] .

                ومنها كفارة اليمين ، وهي تجمع الترتيب والتخيير بنص قوله تعالى : فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة [ المائدة : 89 ] ، فالتخيير بين هذه الثلاث ، والترتيب بينها وبين صيام ثلاثة أيام بقوله تعالى : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام [ المائدة : 89 ] .

                قال القرافي : وللتخيير والترتيب ألفاظ تدل عليهما في اللغة ، والذي رأيته للفقهاء أن صيغة " أو " تقتضي التخيير ، نحو : افعلوا كذا أو كذا ، وكذلك صيغة : افعلوا إما كذا وإما كذا ، وصيغة : من لم يجد ، أو : إن لم تجد كذا فكذا ، تقتضي الترتيب ، وهو ألا يعدل إلى الثاني إلا عند تعذر الأول .

                ثم أورد على هذا سؤالا ، وهو أن ما ذكر ، يقتضي أن لا يجوز أو لا يشرع استشهاد رجل وامرأتين إلا عند تعذر رجلين ، عملا بقوله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان [ البقرة : 282 ] ، لكنه خلاف الإجماع ، فيلزم إما أن هذه الصيغة لا تفيد الترتيب ، وهو خلاف ما عليه الفقهاء ، وإما خلاف الإجماع في امتناع استشهاد رجل وامرأتين ، مع وجود رجلين .

                ثم أجاب عن هذا السؤال ، بما حاصله : إن التحقيق أن صيغة الشرط ليست منحصرة في دلالتها على الترتيب ، بل كما تفيد الترتيب تارة ، فهي تفيد الحصر أخرى ، كقولنا : من لم يكن حيا ، فهو ميت ، وإن لم يكن زيد متحركا ، فهو ساكن ، [ ص: 296 ] أي حاله منحصرة في الحياة والموت ، والحركة والسكون ، وإذا كانت تصلح للترتيب والحصر لم تتعين لأحدهما إلا بدليل أو قرينة ، فإذا انتفى أحد الأمرين أعني الترتيب أو الحصر ، فيتعين الآخر .

                والآية المذكورة ، معناها حصر البينة الشرعية الكاملة ، من الشهادة في الأموال ، في الرجلين ، والرجل والمرأتين . أما الشاهد واليمين ، أو النكول واليمين ، فليس حجة كاملة من الشهادة المحضة ، بل منها ومن غيرها ، وهو اليمين مع الشاهد .

                قلت : هذا حاصل جوابه ، وهو جيد ، غير أن قوله : صيغة الشرط لا تحسن إلا في الترتيب والحصر ، فإذا انتفى أحدهما تعين الآخر ، فيه نظر ، بل قد جاءت لمعنى آخر ، وهو التسوية في أصل المقصود بين الأمرين ، وإن تفاوتا في كماله .

                كقول امرئ القيس وقد أغير على أمواله فلم يسلم له إلا أعنز :

                إذا ما لم يكن غنم فمعزى كأن قرون جلتها عصي
                فتملأ بيتنا أقطا وسمنا وحسبك من غنى شبع وري

                أي : المقصود من الغنم حاصل من المعزى ، وإن كان من الغنم أكمل ، وهذا المعنى بالآية أنسب ، أي : مقصود الشاهدين حاصل من الرجل والمرأتين ، وإن كان من الرجلين أكمل ، لبعدهما عن الغلط ، واحتياجهما إلى التذاكر . كما قال تعالى في المرأتين : أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [ البقرة : 282 ] ، ولهذا قلنا : لا يترجح الرجلان على رجل وامرأتين عند التعارض ، لحصول أصل [ ص: 297 ] المقصود ، وإن كان الترجيح بذلك يتعدى تحصيلا لكمال المقصود .

                ومنها : فدية حلق الرأس في الإحرام ، ولا أعلم خلافا في أنه إذا كان لعذر أنها على التخيير ، لقوله سبحانه وتعالى : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [ البقرة : 196 ] ، ولحديث كعب بن عجرة ، وكان معذورا ، فيه نزلت الآية ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : احلق رأسك ، وانسك نسيكة ، أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين وإن كان لغير عذر ، فاختلف فيه ، وعن أحمد فيه روايتان : التخيير للفظ الآية ، والترتيب تغليظا على الحالق لغير عذر ، وتخصيصا للتخيير بسبب الآية ، وهو حال العذر .

                ومنها ، الفدية في جزاء الصيد المقتول في الإحرام . وفيه قولان عن أحمد : أحدهما : أنها مخيرة ، لقوله تعالى : ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم إلى قوله : أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما [ المائدة : 95 ] .

                والقول الثاني : أنها مرتبة . إن تعذر مثل الصيد أطعم ، فمن لم يجد الإطعام ، صام . ووجه هذا القول ، إلحاقها بالكفارات المرتبة ، لكن ظاهر النص خلافه ، فيكون قياسا مصادما للنص .

                ومنها ، المستحاضة المتحيرة تجلس ستا أو سبعا ، لقوله عليه السلام لحمنة [ ص: 298 ] بنت جحش كانت مستحاضة : تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ، فهذه صيغة تخيير ، لكنه تخيير اجتهاد ، لا تخيير تشه ، ومعناه : أنها تجتهد في الست والسبع ، فأيهما غلب على ظنها جلسته ، إذ لو كان تخييرا محضا ، للزم منه جواز أن تجلس سبعا مع غلبة ظنها أن حيضها ست ، وذلك يفضي إلى تجويز ترك الصلاة في زمن غلب على ظنها وجوبها فيه ، وليس بجائز ، فيرجع حاصل الأمر في هذا المكان ، إلى أن " أو " إما إبهامية ، لأن أحد المقدارين من الزمان قد استبهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعليها أن تتعين للجلوس فيه ، لأن ذلك مما لا يمكن ضبط له ، وقد يشتبه عليها . وإما تنويعية : أي : الزمن الذي تجلسين فيه شرعا ، يتنوع إلى ستة وسبعة ، فاجلسي أحدهما بالاجتهاد .

                ومنه في البيوع : بيعتين في بيعة ، نحو : بعتك بعشرة نقدا ، أو بعشرين نسيئة ، فلا يصح عند الأكثرين للجهالة ، وأجازه قوم ، ويصلح أن يحتج له بقوله تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام - : أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي [ القصص : 28 ] ، بناء على شرع من قبلنا ، إذ هو في معنى قوله : تزوجت ابنتك على أن أرعى لك ثماني أو عشر سنين ، وعلى هذا الاحتجاج كلام لا يخفى . [ ص: 299 ] وكذلك قوله : بعتك هذا الثوب أو هذا ، وأنكحتك هذه المرأة أو هذه ، فلا يصح ، لاقتضاء " أو " أحد الشيئين . وشرط صحة ذلك التعيين ، ونظائر هذا كثيرة .

                ومنه في الطلاق : إذا قال لثلاث نسوة : هذه أو هذه وهذه طالق ، فالمذهب أن الثالثة تطلق مع إحدى الأولتين ، وتخرج بالقرعة ، وقيل : بل يقرع بين الأولى وبين الأخريين معا ، فإن وقعت القرعة على الأولى طلقت وحدها ، وإن وقعت على الأخريين طلقتا جميعا دون الأولى .

                قلت : ومأخذ الخلاف : أن التردد بأو في هذه المسألة ، هل هو بين الأوليين ، فتكون إحداهما المطلقة مع الثالثة ، أو بين الأولى وحدها والأخريين معا ، فيكون الحكم ما ذكرنا ويكون التقدير على الأول إحدى هاتين طالق وهذه الثالثة طالق ، أو يكون التقدير هذه أو هذه الثالثة طالق ، وهذه الثالثة طالق فطلاق الثالثة مقطوع به ، والتردد في إحدى الأولتين ؟

                وعلى القول الثاني تقديره : هذه الأولى طالق ، أو هاتان الأخريان طالقتان فالتردد بين طلاق الأولى وحدها ، وطلاق الأخريين معا . وعلى القولين يطلق [ ص: 300 ] منهما اثنتان بالجملة ، لكن على الأول تطلق إحدى الأولتين مع الثالثة ولا بد ، وعلى الثاني تطلق إما الأولى وحدها ، وإما الأخريان ، فطلاق الاثنتين على هذا القول هو على أحد تقديرين . والقول الأول أرجح .

                ورجحانه مستمد من قاعدة عربية ، وهي : أن خبر المبتدأ يجب أن يكون مطابقا له في الجمع والإفراد ، فنقول : الزيدون قائمون ، ولا يجوز قائم ، وزيد قائم ، ولا يجوز قائمون ، وتقول : زيد أو عمرو قائم ، ولا يجوز قائمان ، لأن الإخبار عن أحدهما ، وزيد وعمرو قائمان ، ولا يجوز قائم ، لأن الإخبار عنهما جميعا ، كما لا تقول : الزيدان قائم إلا بتقدير تكرار الخبر تقديرا ، وهو خلاف الأصل .

                إذا ثبت هذا ، فتقدير المسألة على القول الأول هذه أو هذه طالق وهذه ، فالخبران مطابقان . وتقديرها على الثاني : هذه طالق ، أو هذه وهذه طالق ، فالخبر في الجملة الثانية غير مطابق ، بل يجب أن يقال : أو هذه وهذه طالقتان ، لأن الإخبار بالطلاق عنهما جميعا لا عن إحداهما ، فهذا كشف المسألة . وإن بقي فيها عليك توقف فاستخرجه بالنظر ، فإذا هو قد ظهر .

                أما لو قال لإحدى زوجتيه أو أمتيه : أنت أو هذه طالق أو حرة ، احتمل أن تطلق وتعتق المخاطبة تغليبا لجانب المخاطب لسبقه ، واحتمل أن يقرع بينهما ، قطعا لإشكال التردد بالقرعة . [ ص: 301 ]

                ومنه الحكم في قطاع الطريق المستفاد من قوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض [ المائدة : 33 ] ، فظاهر الآية أن الإمام مخير أي ذلك شاء فعل بهم . وحكى ابن البنا في شرح الخرقي هذا التخيير عن سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وعطاء . قلت : هو نظر إلى اقتضاء " أو " التخيير ، ومنع الجمهور من حملها على التخيير ، لأن القتل إذا جاز تركه لم يجز فعله احتياطا للدماء . وإلى هذا أشار أحمد رحمه الله في رواية ابنه عبد الله بقوله : ومن أخاف السبيل ولم يقتل نفي ، ولا يكون السلطان مخيرا في قتله . وهؤلاء حملوا " أو " في هذه بهذا الدليل على التنويع ، أي : إن عذاب المحاربين يتنوع بحسب تنوع أفعالهم .

                فمذهب أحمد أنه إن أخاف السبيل إخافة مجردة ، نفي كما تقدم ، وإن أخذ المال أخذا مجردا ، قطع فيما يقطع فيه السارق ، وإن قتل ولم يأخذ المال ، قتل ، وفي صلبه قولان . وإن قتل وأخذ المال ، قتل وصلب ، ومذهب الشافعي كذلك .

                ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنهم إذا قصدوا قطع الطريق ، وأخذوا قبل أن يأخذوا مالا ، أو يقتلوا نفسا ، حبسهم الإمام حتى يتوبوا ، وإن أخذوا من مال مسلم أو ذمي ما يقطع فيه السارق ، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإن قتلوا ولم [ ص: 302 ] يأخذوا مالا ، قتلوا حدا ، لا يسقطه عفو أولياء من قتلوه ، وإن قتلوا ، وأخذوا المال ، فالإمام مخير : إن شاء قتلهم ، وإن شاء صلبهم ثلاثة أيام فما دون ، يصلب أحدهم حيا ، ويبعج بطنه برمح حتى يموت ، وإن شاء ، قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وقتلهم وصلبهم .

                ومنه أن موجب العمد أحد شيئين : القصاص أو الدية ، ومستنده قوله - صلى الله عليه وسلم - : فمن قتل له قتيل بعد اليوم ، فأهله بين خيرتين : إما أن يقتلوا ، أو يأخذوا العقل ، وفي لفظ : من قتل له قتيل ، فهو بخير النظرين ، إما أن يعفو ، وإما أن يقتل ولهذا الأصل فروع تقع في كتاب الجنايات .

                ومن فروع التخيير أن العبد إذا جنى خطأ ، فسيده مخير بين فدائه وتسليمه في الجناية ، فإن اختار فداءه ، فالواجب عليه أقل الأمرين من قيمته ، أو أرش جنايته ، وله فداؤه بأيهما شاء ، لأنه إن أدى أقلهما ، فهو الواجب ، وإن أدى أكثرهما ، فقد التزم ضرر الزيادة ، وهو لا يمنع ، وإن استوت القيمة والأرش ، صار التخيير ضروريا ، إذ لا أقل ، فيجب ، ولا أكثر ، فيلزم ضرورة ، وإن سلمه ، فأبى ولي الجناية قبوله ، وقال : بعه أنت ، فهل يلزمه ذلك ؟ فيه قولان : أشبههما : لا يلزمه ، ويبرأ بالتسليم ، لأنه مخير بين الأمرين ، فيبرأ بأحدهما ، كالتكفير بإحدى الخصال . [ ص: 303 ]

                ولو جنى العبد عمدا ، فعفا الولي عن القصاص على رقبة العبد ، فهل يملكه بغير رضا السيد ؟ على قولين : أصحهما لا يملكه بدون رضاه ، لأنه بالعفو عن القصاص صارت جنايته كالموجبة للمال ، والسيد مخير بينه وبين تسليم العبد كما سبق ، وملك الولي لرقبته بدون رضا السيد ينافي التخيير ، وما ذكرناه من هذا فروع مؤنسة بهذا الأصل ، ليتبين للناظر كيف تفرع الأحكام عن أصولها ، واقتناصها منها .

                وثم فروع أخر لم أذكرها خشية الإطالة ، وإنما ذكرت هذه المباحث اللغوية والشرعية في أثناء مسألة الواجب المخير قبل كمالها ، لأن ذلك مناسب لقولنا : " ولأن النص ورد في خصال الكفارة بلفظ " أو " وهي للتخيير والإبهام " .

                قوله : " قالوا : فإن استوت الخصال " إلى آخره .

                هذا دليل القائلين بأن الواجب جميع الخصال . وتقريره : أن خصال الواجب المخير ، إما أن تستوي في تحصيل مصلحة المكلف أو لا تستوي ؟ فإن استوت ، بأن كانت مصلحته مثلا في التكفير بالعتق مثل مصلحته في التكفير بالصيام والإطعام ، لزم أن يكون جميعها واجبا ، لأن اختيار التكفير ببعضها مع تساويها في المصلحة يكون ترجيحا من غير مرجح ، وهو محال ، وإن لم يستو الجميع في المصلحة ، بل اختص بها بعض الخصال ، أو ترجح فيها ، مثل إن اختص العتق [ ص: 304 ] بمصلحة التكفير ، أو كان أرجح في حصولها من الصيام والإطعام ، وجب أن يتعين ذلك البعض فيكون هو الواجب عينا لا على التخيير .




                الخدمات العلمية