الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - : لا مهر أقل من عشرة دراهم ، وقال الشافعي - رضي الله عنه - : يجوز بالقليل والكثير ولا تقدير فيه . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قيد التحليل بقيد ، وهو الابتغاء بأموالهم ، والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالا ، فوجب أن لا يصح جعلها مهرا .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قيل : ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال ، مع أنكم تجوزون كونها مهرا .

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا تكون العشرة كافية ، إلا أنا تركنا العمل بظاهر الآية في هذه الصورة لدلالة الإجماع على جوازه ، فتمسك في الأقل من العشرة بظاهر الآية .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ؛ لأن الآية دالة على أن الابتغاء بالأموال جائز ، وليس فيها دلالة على [ ص: 39 ] أن الابتغاء بغير الأموال لا يجوز ، إلا على سبيل المفهوم ، وأنتم لا تقولون به ، ثم نقول : الذي يدل على أنه لا تقدير في المهر وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : ( بأموالكم ) مقابلة الجمع بالجمع ، فيقتضي توزع الفرد على الفرد ، فهذا يقتضي أن يتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا ، والقليل والكثير في هذه الحقيقة وفي هذا الاسم سواء ، فيلزم من هذه الآية جواز ابتغاء النكاح بأي شيء يسمى مالا من غير تقدير .

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) [ البقرة : 237 ] دلت الآية على سقوط النصف عن المذكور ، وهذا يقتضي أنه لو وقع العقد في أول الأمر بدرهم أن لا يجب عليه إلا نصف درهم ، وأنتم لا تقولون به .

                                                                                                                                                                                                                                            الحجة الثالثة : الأحاديث : منها ما روي أن امرأة جيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تزوج بها رجل على نعلين ، فقال عليه الصلاة والسلام : " رضيت من نفسك بنعلين ؟ فقالت : نعم ، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم " ، والظاهر أن قيمة النعلين تكون أقل من عشرة دراهم ، فإن مثل هذا الرجل والمرأة اللذين لا يكون تزوجهما إلا على النعلين يكونان في غاية الفقر ، ونعل هذا الإنسان يكون قليل القيمة جدا ، ومنها ما روي عنجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو طعام فقد استحل " ، ومنها ما روي في قصة الواهبة أنه عليه الصلاة والسلام قال لمن أراد التزوج بها : " التمس ولو خاتما من حديد " وذلك لا يساوي عشرة دراهم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية