الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              5201 5520 - حدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل. [انظر: 4219 - مسلم: 1941 - فتح:9 \ 648]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه حديث أسماء السالف قريبا: نحرنا فرسا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلناه.

                                                                                                                                                                                                                              وحديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر - رضي الله عنه -: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل.

                                                                                                                                                                                                                              وقد سلف في غزوة خيبر .

                                                                                                                                                                                                                              ومحمد هذا هو أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن حسين بن علي مات سنة ثماني عشرة ومائة قال النسائي: ما أعلم أحدا وافق حماد بن زيد على محمد بن علي ; فقال الترمذي لما رواه من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر: كذا رواه غير واحد، ورواية ابن عيينة أصح من رواية حماد، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول:

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 495 ] ابن عيينة أحفظ من حماد بن زيد . ورواه ابن حزم من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن جابر: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية والخيل والبغال، وحرم المجثمة. ثم قال: عكرمة ضعيف .

                                                                                                                                                                                                                              قلت: لا تعل رواية عمرو عن جابر برواية أبي داود من حديث ابن جريج، عن عمرو قال: أخبرني رجل عن جابر ; لأن هذا الرجل هو محمد بن علي السالف.

                                                                                                                                                                                                                              وقال الطحاوي: أهل الحديث يضعفون حديث عكرمة عن يحيى، ولا يجعلون فيه حجة، ولو كان حديث محمد بن علي وعطاء وأبي الزبير عن جابر أولى; لأن ثلاثة أولى بالحفظ من واحد . وقد اختلف الناس في أكل لحوم الخيل، فكرهه مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، ونقل عن مجاهد وأبي بكر الأصم والحسن البصري. وفي رواية: تركه أحب إلي. وحرمه الحكم بن عتيبة، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد: إنه حلال أكلها . واحتج من كره أكلها بما رواه ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير، أخرجه أبو داود وقال: حرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها، ثم قال: هذا منسوخ.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 496 ] وقد أكل الخيل جماعة من الصحابة: ابن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء، وسويد بن غفلة، وكانت قريش في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذبحها .

                                                                                                                                                                                                                              وقال النسائي: حديث جابر في أكل لحوم الخيل أصح من هذا، ويشبه إن كان هذا صحيحا أن يكون منسوخا; لأن قوله: (وأذن في لحوم الخيل) دليل على ذلك، ولا أعلم روى حديث خالد هذا غير بقية، عن ثور بن يزيد، عن صالح .

                                                                                                                                                                                                                              قلت: قد رواه سليمان بن سليم، عن صالح، أخرجه أحمد في "مسنده" عن أحمد بن عبد الملك، ثنا محمد بن حرب، ثنا سليمان، به .

                                                                                                                                                                                                                              وأخرجه أيضا كذلك الطبراني .

                                                                                                                                                                                                                              وأخرجه ابن شاهين في "ناسخه" من حديث سليمان التيمي عن ثور بن يزيد، عن أبي غزوان الجهني، عن يحيى بن جرير، عن خالد بن الوليد مرفوعا: "أنهاكم عن أكل خيلها وحمرها وبغالها" .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الدارمي في كتاب "الأطعمة": ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الرخصة في أكل لحوم الخيل من غير معارض له قوي، والذي يعارضه حديث خالد، وليس إسناده كإسناد الرخصة فيه، قال موسى بن هارون: لا يعرف [ ص: 497 ] صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الخطابي: لا يعرف سماع بعضهم من بعض .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الدارقطني: حديث خالد ضعيف، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث أنه - عليه السلام - حرمها يوم خيبر. وقد قال الواقدي: إن خالدا أسلم بعد خيبر ; وقال أبو عمر: لا يصح لخالد مشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الفتح .

                                                                                                                                                                                                                              وقال البيهقي: إسناده مضطرب، ومع اضطرابه مخالف للثقات .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن حزم: صالح بن يحيى بن المقدام مجهولون كلهم، وفيه دليل الوضع; لأنه لم يسلم خالد إلا بعد خيبر بلا خلاف .

                                                                                                                                                                                                                              قلت: لعله يريد بجهالتهم كلهم ما عدا جد المقدام، فإنه ثابت الصحبة قطعا، وبقية الخلاف في إسلام خالد ليس كما ذكره، فالخلاف فيه موجود في كتاب أبي داود والطبراني وغيرهما.

                                                                                                                                                                                                                              وقال الطحاوي: أما الآثار المروية في لحوم الخيل فالصحيح منها ما روي في إباحة أكل لحومها، وأما الذي يوجب النظر فالنهي عنه أنا وجدنا الأنعام المباح أكلها ذوات أخفاف وذوات أظلاف، ووجدنا الحمر الأهلية والبغال المنهي عن أكل لحومها ذوات حوافر وكانت

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 498 ] الخيل أشبه بذوات الحوافر المنهي عن أكل لحومها بذوات الأظلاف المباح أكلها .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الحازمي: قالوا: وأما حديث خالد فإنه ورد في قضية معينة، وليس هو مطلقا دالا على الحصر بعمومه، ليكون الحكم الثاني تابعا للحكم الأول، بل سبب تحريمه مغاير تحريم الحمار الإنسي والبغل; لأن تحريم البغال والحمر كان مستمرا على التأبيد وتحريم أكل الخيل كان إضافيا فزال لزوال سببه، وذلك إنما نهى عن أكل لحومها يوم خيبر; لأنهم تسارعوا في طبخها قبل أن تخمس، فأمرهم - عليه السلام - بإكفاء القدور; تشديدا عليهم وإنكارا لصنيعهم، وكذلك أمر بكسر القدور أولا ثم تركها، وروينا نحو هذا المعنى عن عبد الله بن أبي أوفى ، فلما رأوا إنكاره ونهيه عن تناول لحوم الخيل والبغال والحمير اعتقدوا أن سبب التحريم في الكل واحد، حتى نادى مناديه: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية. فحينئذ فهموا أن سبب التحريم مختلف، وأن الحكم بتحريم الحمار الأهلي على التأبيد. وأن الخيل إنما نهي عن تناول ما لم يخمس كما ذكرنا، فيكون قوله رخص أو أذن دفعا لهذه الشبهة، والذي دل عليه أن حديث خالد ورد في قضية مخصوصة حديث محمد بن حرب السالف، ثم ساقها; وقال: وهذا حديث غريب وله أصل من حديث الشاميين .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 499 ] واستدلوا أيضا بقوله تعالى: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة [النحل: 8] وهو عطف على الضمير العائد على الأنعام في خلقها أي: خلقها للركوب وزينة قالوا: والتمسك من هذه الآية من وجوه:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها ما خلقت إلا لذلك إذ العلة المنصوص عليها تفيد الحصر.

                                                                                                                                                                                                                              ثانيها: أن فيها عطف البغال والحمير على الخيل، فلا تفرد عن المعطوفين في الحكم إلا بدليل وكذا ذكره ابن عباس فقال: هذه الآية للركوب والزينة والتي قبلها للأكل .

                                                                                                                                                                                                                              ثالثها: أن الله تعالى قد من على عباده بما جعل لهم من منفعة الركوب والزينة في الخيل، فلو كانت الخيل مأكولة اللحم لكان الأولى الامتنان عليهم بمنفعة الأكل; لأنه أعظم وجوه المنفعة وفيه بقاء النفوس وللحاجة تتجدد إليه بكرة وأصيلا والحكم لا يترك أعظم وجوه المنفعة عند إظهار المنة، ويذكر ما دونه.

                                                                                                                                                                                                                              ألا ترى كيف ذكر المنة بالأكل في الأنعام التي هي الإبل قبلها مع سائر منافعها، فقال: ومنها تأكلون [النحل: 5] ولو كان أكلها مباحا لنبه عليه وما كان ربك نسيا [مريم: 64] فإن قلت كما لم يذكر فيها الانتفاع بها بالأكل لم يذكر الانتفاع بها في حمل الأثقال عليها، أجاب الحنفي بأن حمل الأثقال على الخيل لا يعرف عندهم، ولم يكن لهم به عادة ولا في ذلك حاجة; لكثرة الإبل المغنية عن ذلك; ولقلة الخيل; ولأنها معدة لإرهاب العدو، فلا يتطرق إلى ذبحها

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 500 ] لكرامتها، ولهذا سوى بين الآدمي وفرسه في الغنيمة على رأي أبي حنيفة . وعند غيره له سهمان أكثر من فارسه ولا سهم لغير الفرس من الإبل والبقر والغنم والبغال والحمير لو قاتلوا عليها.

                                                                                                                                                                                                                              وقد أجمعت الأمة على جواز التضحية بالإبل والبقر والغنم ، ولم يجيزوا التضحية بها، فلو كانت مأكولة اللحم وهي أهلية لوردت السنة بها، كما وردت بسائر الأنعام الأهلية.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: ولا عبرة بخلاف أهل الظاهر في ذلك أن التضحية بها جائزة.

                                                                                                                                                                                                                              قالوا: ولو أحل أكل لحمها لغابت منفعة الركوب والزينة التي خلقت له، وأما اعتراض الحنفي على أن أسماء لم تقل أنهم أعلموا بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقرهم عليه، وأنها واقعة حال فلم تكن حجة فغير شيء; لأن الخيل لم تكن عندهم كبير بحال أن تذبح في المدينة مع صغيرها حينئذ ولا يعلم بها أو لا يعلم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما تطرق إليه الاحتمال سقط بها الاستدلال، ونظرنا في غيره من الأحاديث فوجدنا في بعض طرقه أن الدارقطني ذكر عنها من حديث أبي خليد عتبة بن حماد المقرئ، ثنا ابن ثوبان، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء: ذبحنا فرسا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلنا نحن وأهل بيته . قلت: وأخرجها أيضا في "مسنده": فأكلناه نحن وأهل بيته . فدلت هذه اللفظة على اطلاعه على ذلك; ولأن أهل بيته لا يأكلون شيئا يخفى عليه.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 501 ] وأما قولهم: واقعة حال فغير جيد; لأن أكثر السنة واقعة حال فمن ترك ذلك ترك معظم السنة الشريفة، قال ابن حزم: ولا نعلم عن أحد من السلف كراهة أكل لحم الخيل، إلا رواية عن ابن عباس لا تصح; لأنها عن مولى علقمة بن نافع وهو مجهول .

                                                                                                                                                                                                                              قلت: قد أسندها ابن أبي شيبة عن وكيع وعلي بن هشام، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير ، وذكره الإسماعيلي في "جمعه" حديث يحيى بن أبي كثير عن نافع بن علقمة أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل .. الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              واحتج من كره أكلها أيضا من وجه النظر أنه لو كانت لوجب أن يؤكل أولادها، فلما اتفقنا على أن الأم إذا كانت من الخيل والأب حمار لم يؤكل ما يولد منهما، علمنا أن الخيل لا تؤكل، ألا ترى أن ولد البقرة يتبع أمه في جواز الأضحية به، وإن كان أبوه وحشيا فلو كانت الخيل تؤكل تبع الولد أمه في ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              واحتج من جوزه بتواتر الأخبار في ذلك، وأن أحاديث الإباحة أصح من أحاديث النهي.

                                                                                                                                                                                                                              قالوا: ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما كان بين الخيل الأهلية والحمر الأهلية فرقان، ولكن الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 502 ] صحت أولى أن يقال بها من النظر، ولا سيما وقد أخبر جابر في حديثه أنه - عليه السلام - أباح لهم لحوم الخيل في وقت منعه إياهم لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكم لحومها، قاله الطحاوي .




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية