الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
115 - باب ذكر خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن جميع الصحابة

قال محمد بن الحسين رحمه الله :

وكان أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جعل الله الكريم فيه من الأحوال الشريفة الكريمة .

والدليل على ذلك أنه لما علم أبو بكر الصديق رضي الله عنه موضع عمر من الإسلام وأن الله عز وجل أعز به الإسلام وعلم موضعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علم قدر ما خصه الله الكريم به من الفضائل فناصح أبو بكر ربه عز وجل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فاستخلف عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعلم أن الله مسائله عن ذلك ، فما آل جهدا في النصيحة للمسلمين .

ولقد عارض رجل من المهاجرين لأبي بكر رضي الله عنه ، فقال له : أذكرك الله عز وجل واليوم الآخر فإنك قد استخلفت على الناس رجلا فظا غليظا ، وإن الله عز وجل سائلك .

فقال أبو بكر : أجلسوني ، فأجلسوه ، فقال : أتفرقوني إلا بالله ؟ ! فإني أقول له تبارك وتعالى إذا لقيته : استخلفت عليهم خير أهلك .

قال محمد بن الحسين رحمه الله :

[ ص: 1736 ] وصدق أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وكيف لا يكون عمر رضي الله عنه عنده كذلك ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب ؟" . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اقتدوا باللذين من بعدي ، أبي بكر وعمر " .

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : "ما كنا نبعد أن السكينة تنطبق على لسان عمر" . وقال أيضا علي رضي الله عنه : "إن عمر عبد ناصح الله عز وجل فنصحه" .

وزوج علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ابنته أم كلثوم بعمر رضي الله عنه ، وقتل عمر رضي الله عنه وهي عنده .

وقال علي بن أبي طالب : "سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثنى أبو بكر ، وثلث عمر" . يعني سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل ، وثنى أبو بكر بعده بالفضل ، وثلث عمر بعدهما بالفضل .

وقال ابن مسعود رحمه الله : "كان إسلام عمر عزا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت خلافته رحمة ، والله ما استطعنا أن نصلي ظاهرين حتى أسلم عمر ، وإني لأحسب أن بين عيني عمر رحمه الله ملكا يسدده فإذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر .

[ ص: 1737 ] وقال ابن عباس : "لما أسلم عمر رضي الله عنه قال المشركون : انتصف القوم منا" .

وقال ابن عباس : "لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد لقد استبشر أهل السماء اليوم بإسلام عمر .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك إما بعمر بن الخطاب ، وإما بأبي جهل بن هشام " . فسبقت الدعوة في عمر لأن الله عز وجل كان يحبه .


وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله عز وجل جعل الحق على لسان عمر وقلبه" .

وقال صلى الله عليه وسلم : "قد كان يكون في الأمم محدثون ، فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب" .

وروي عن أنس بن مالك أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "أقرئ عمر السلام ، وأخبره أن غضبه عز ، ورضاه عدل" .

قال محمد بن الحسين رحمه الله :

ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه من الفضائل ما يكثر ذكرها ، وسنذكرها في غير هذا الموضع .

ثم قال علي رضي الله عنه ، وقد خطب الناس بالكوفة في خلافته رضي الله عنه على منبر الكوفة ، لم يكرهه أحد على قوله ، ولم تأخذه في الله لومة لائم ، فقال : "إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، ثم عمر" .

[ ص: 1738 ] وروى هذا عنه جميع أصحاب علي رضي الله عنه ، ممن مثلهم يصدق على علي رضي الله عنه .

وروى عنه ابنه محمد بن الحنفية رضي الله عنه .

فبهذه الأحوال الشريفة وغيرها استخلفه أبو بكر رضي الله عنه ، ورضي به جميع الصحابة ومن بعدهم من التابعين ، وجميع المؤمنين إلى أن تقوم الساعة ، فالحمد لله على ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية