الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله تعالى : واذكروا اسم الله عليه قال ابن عباس والحسن والسدي : " يعني على إرسال الجوارح " . قال أبو بكر : قوله : واذكروا اسم الله عليه أمر يقتضي الإيجاب ، ويحتمل أن يرجع إلى الأكل المذكور في قوله : فكلوا مما أمسكن عليكم ويحتمل أن يعود إلى الإرسال ؛ لأن قوله : وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله قد تضمن إرسال الجوارح المعلمة على الصيد ، فجائز عود الأمر [ ص: 316 ] بالتسمية إليه ، ولولا احتمال ذلك لما تأوله السلف عليه .

وإذا كان ذلك كذلك وقد تضمن الأمر بالذكر إيجابه واتفقوا أن الذكر غير واجب على الأكل ، فوجب استعمال حكمه على الإرسال ؛ إذ كان مختلفا فيه ؛ وإذا كانت التسمية واجبة على الإرسال صارت من شرائط الذكاة ، كتعليم الجوارح وكون المرسل ممن تصح ذكاته وإسالة دم الصيد بما يجرح وله حد ، فإذا تركها لم تصح ذكاته كما لا تصح ذكاته مع ترك ما ذكرنا من شرائط الذكاة .

والذي تقتضيه الآية فساد الذكاة عند ترك التسمية عامدا وذلك ؛ لأن الأمر لا يتناول الناسي ؛ إذ لا يصح خطابه ؛ فلذلك قال أصحابنا : إن ترك التسمية ناسيا لا يمنع صحة الذكاة ؛ إذ هو غير مكلف بها في حال النسيان .

وسنذكر إيجاب التسمية على الذبيحة عند قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إذا انتهينا إليه إن شاء الله . وقد روي في التسمية على إرسال الكلب ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي قال : قال عدي بن حاتم : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أرسل كلبي ؟ قال : إذا سميت فكل وإلا فلا تأكل ، وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وقال : أرسل كلبي فأجد عليه كلبا آخر ؟ قال : لا تأكل ؛ لأنك إنما سميت على كلبك فنهاه عن أكل ما لم يسم عليه وما شاركه كلب آخر لم يسم عليه ، فدل على أن من شرائط ذكاة الصيد التسمية على الإرسال . وهذا يدل أيضا على أن حال الإرسال بمنزلة حال الذبح في وجوب التسمية عليه .

وقد اختلف الفقهاء في أشياء من أمر الصيد ، منها الاصطياد بكلب المجوسي ، فقال أصحابنا ومالك والأوزاعي والشافعي : " لا بأس بالاصطياد بكلب المجوسي إذا كان معلما وإن كان الذي علمه مجوسيا بعد أن يكون الذي أرسله مسلما " . وقال الثوري : " أكره الاصطياد بكلب المجوسي إلا أن يأخذه من تعليم المسلم " . قال أبو بكر : ظاهر قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم يقتضي جواز صيده وإباحة أكله ، ولم يفرق بين أن يكون مالكه مسلما أو مجوسيا . وأيضا فإن الكلب آلة كالسكين يذبح بها والقوس يرمى عنها ، فواجب أن لا يختلف حكم الكلب لمن كان كسائر الآلات التي يصطاد بها . وأيضا فلا اعتبار بالكلب وإنما الاعتبار بالمرسل ، ألا ترى أن مجوسيا لو اصطاد بكلب مسلم لم يجز أكله ؟ وكذلك اصطياد المسلم بكلب المجوسي ينبغي أن يحل أكله .

فإن قيل : قال الله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من [ ص: 317 ] الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ومعلوم أن ذلك خطاب للمؤمنين ، فواجب أن يكون تعليم المسلم شرطا في الإباحة . قيل له : لا يخلو تعليم المجوسي من أن يكون مثل تعليم المسلم المشروط في إباحة الذكاة أو مقصرا عنه ، فإن كان مثله فلا اعتبار بالمعلم وإنما الاعتبار بحصول التعليم ، ألا ترى أنه لو ملكه مسلم وهو معلم كتعليم المسلم جاز أكل ما صاده ؟ فإذا لا اعتبار بالملك وإنما الاعتبار بالتعليم . وإن كان تعليم المجوسي مقصرا عن تعليم المسلم حتى يخل عند الاصطياد ببعض شرائط الذكاة فهذا كلب غير معلم ، ولا يختلف حينئذ حكم ملك المجوسي والمسلم في حظر ما يصطاده . وأما قوله : تعلمونهن مما علمكم الله فإنه ، وإن كان خطابا للمسلمين فالمقصد فيه حصول التعليم للكلب ، فإذا علمه المجوسي كتعليم المسلم فقد وجد المعنى المشروط ، فلا اعتبار بعد ذلك بملك المجوسي .

واختلفوا في الصيد يدركه حيا ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فيمن يدرك صيد الكلب أو السهم فيحصل في يده حيا ثم يموت : " فإنه لا يؤكل ، وإن لم يقدر على ذبحه حتى مات " . وقال مالك والشافعي : " إن لم يقدر على ذبحه حتى مات أكل ، وإن مات في يده ، وإن قدر على ذبحه فلم يذبحه لم يؤكل ، وإن لم يحصل في يده " . وقال الثوري : إن قدر أن يأخذه من الكلب فيذبحه فلم يفعله لم يؤكل " . وقال الأوزاعي : " إذا أمكنه أن يذكيه ولم يفعل لم يؤكل ، وإن لم يمكنه حتى مات بعد ما صار في يده أكل " . وقال الليث : " إن أدركه في في الكلب فأخرج سكينه من خفه أو منطقته ليذبحه فمات أكله ، وإن ذهب ليخرج السكين من خرجه فمات قبل أن يذبحه لم يأكله " . قال أبو بكر : إذا حصل في يده حيا فلا اعتبار بإمكان ذبحه أو تعذره في أن شرط ذكاته الذبح وذلك ؛ لأن الكلب إنما حل صيده لامتناع الصيد وتعذر الوصول إليه إلا من هذه الجهة ، فإذا حصل في يده حيا فقد زال المعنى الذي من أجله أبيح صيده وصار بمنزلة سائر البهائم التي يخاف عليها الموت ، فلا تكون ذكاته إلا بالذبح سواء مات في وقت لا يقدر على ذبحه أو قدر عليه ، والمعني فيه كونه في يده حيا .

فإن قيل : إنما لم تكن ذكاة سائر البهائم إلا بالذبح ؛ لأن ذبحها قد كان مقدورا عليه ، ولو ماتت حتف أنفها لم يكن ذكاة ؛ وجراحة الكلب والسهم قد كانت تكون ذكاة للصيد لو لم يحصل في يده حتى مات ، فإذا صار في يده ولم يبق من حياته بمقدار ما يدرك ذكاته فهو مذكى بجراحة الكلب ، وهو بمنزلة ما لو صار في يده بعد الموت .

قيل له : هذا على وجهين :

أحدهما : [ ص: 318 ] أن يكون الكلب قد جرحه جراحة لا يعاش من مثلها إلا مثل حياة المذبوح ، وذلك بأن يكون قد قطع أوداجه أو شق جوفه فأخرج حشوته ، فإذا كان ذلك كذلك كانت جراحته ذكاة له سواء أمكن بعد ذلك ذبحه أو لم يمكن ، فهذا الذي تكون جراحة الكلب ذكاة له ؛ وأما الوجه الآخر : فهو أن يعيش من مثلها ، إلا أنه اتفق موته بعد وقوعه في يده في وقت لم يكن يقدر على ذبحه ؛ فهذا لا يكون مذكى ؛ لأن تلك الجراحة قد كانت مراعاة على حدوث الموت قبل حصوله في يده وإمكان ذكاته ، فإذا صار في يده حيا بطل حكم الجراحة ، وصار بمنزلة سائر البهائم التي يصيبها جراحات غير مذكية لها مثل المتردية والنطيحة وغيرهما ، فلا يكون ذكاته إلا بالذبح .

واختلفوا في الصيد يغيب عن صاحبه ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : " إذا توارى عنه الصيد والكلب وهو في طلبه فوجده قد قتله جاز أكله ، وإن ترك الطلب واشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا والكلب عنده كرهنا أكله " وكذلك قالوا في السهم إذا رماه به فغاب عنه .

وقال مالك : " إذا أدركه من يومه أكله في الكلب والسهم جميعا ، وإن كان ميتا إذا كان فيه أثر جراحة ، وإن بات عنه لم يأكله " . وقال الثوري : " إذا رماه فغاب عنه يوما أو ليلة كرهت أكله " . وقال الأوزاعي : " إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا فليأكله " . وقال الشافعي القياس أن لا يأكله إذا غاب عنه " . قال أبو بكر : روي عن ابن عباس أنه قال : " كل ما أصميت ودع ما أنميت " وفي خبر آخر عنه : " وما غاب عنك ليلة فلا تأكله " . والإصماء ما أدركه من ساعته والإنماء ما غاب عنه .

وروى الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصيد : إذا غاب عنك مصرعه كرهه وذكر هوام الأرض . وأبو رزين هذا ليس بأبي رزين العقيلي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو أبو رزين مولى أبي وائل . ويدل على أنه إذا تراخى عن طلبه لم يأكله أنه لا خلاف أنه لو لم يغب عنه وأمكنه أن يدرك ذكاته فلم يفعل حتى مات أنه لا يؤكل ، فإذا لم يترك الطلب وأدركه ميتا فقد علمنا أنه لم يكن يدرك ذكاته فكان قتل الكلب أو السهم له ذكاة له ، وإذا تراخى عن الطلب فجائز أن يكون لو طلبه في فوره أدرك ذكاته ثم لم يفعل حتى مات فإنه لا يؤكل ، فإذا لم يترك الطلب وأدرك حياته تيقن أن قتل الكلب ليس بذكاة له فلا يجوز أكله ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم : وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله فلعله أن يكون الثاني قتله فحظر [ ص: 319 ] الشارع صلى الله عليه وسلم أكله حين جوز أن يكون قتله كلب آخر ، فكذلك إذا جاز أن يكون مما كان يدرك ذكاته لو طلبه فلم يفعل وجب أن لا يؤكل ، لتجويز هذا المعنى فيه .

فإن قيل : روى معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه عن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدرك صيده بعد ثلاث : " يأكله إلا أن ينتن " وروي في بعض الألفاظ : إذا أدركت بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن . قيل له : قد اتفق الجميع على رفض هذا الخبر ، وترك استعماله من وجوه :

أحدها : أن أحدا من الفقهاء لا يقول إنه إذا وجده بعد ثلاث يأكله .

والثاني : أنه أباح له أكله ما لم ينتن ، ولا اعتبار عند أحد بتغير الرائحة . والثالث : أن تغير الرائحة لا حكم له في سائر الأشياء وإنما الحكم يتعلق بالذكاة أو فقدها ، فإن كان الصيد مذكى مع تراخي المدة فلا حكم للرائحة ، وإن كان غير مذكى فلا حكم أيضا لعدم تغيره . وقد روى محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن رجل من نهد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالروحاء ، فإذا هو بحمار وحش عقير فيه سهم قد مات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه حتى يجيء صاحبه فجاء النهدي فقال : يا رسول الله هي رميتي فكلوه فأمر أبا بكر أن يقسم بين الرفاق وهم محرمون . فمن الناس من يحتج بذلك في إباحة أكله إن تراخى عن طلبه لترك النبي صلى الله عليه وسلم مسألته عن ذلك ، ولو كان ذلك يختلف حكمه لسأله ؛ وليس في هذا دليل على ما ذكر ، من قبل أنه جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاهد هذا الحمار على حال استدل بها على قرب وقت الجراحة من سيلان الدم وطراوته ومجيء الرامي عقبه ، فعلم أنه لم يتراخ عن طلبه ، فلذلك لم يسأله .

فإن قيل : روى هشيم عن أبي هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم قال : قلت يا رسول الله إنا أهل صيد يرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين ثم يتبع أثره بعدما يصبح فيجد سهمه فيه ؟ قال : إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد به أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكله . قيل له : هذا يوجب أن يكون لو أصابه بعد ليالي كثيرة أن يأكله إذا علم أن سهمه قتله ، ولا نعلم ذلك قول أحد من أهل العلم ؛ لأنه اعتبر العلم بأن سهمه قتله . وأيضا فإنه لا يحصل له العلم بأن سهمه قتله بعدما تراخى عن طلبه ، وقد شرط صلى الله عليه وسلم حصول العلم بذلك ، فإذا لم يعلم بذلك فواجب أن لا يأكله وهو لا يعلم إذا تراخى عن طلبه وطالت المدة أن سهمه قتله . ويدل على صحة قول أصحابنا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : [ ص: 320 ] حدثنا محمد بن عباد قال : حدثنا محمد بن سليمان عن مشمول عن عمرو بن تميم عن أبيه عن جده قال : قلت : يا رسول الله إنا أهل بدو ونصيد بالكلاب المعلمة ونرمي الصيد ، فما يحل لنا من ذلك وما يحرم علينا ؟ قال : إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فكل مما أمسك عليك أكل أو لم يأكل قتل أو لم يقتل ، وإذا رميت الصيد فكل مما أصميت ولا تأكل مما أنميت ؛ فحظر ما أنمى ، وهو ما غاب عنه . وهو محمول على ما غاب عنه وتراخى عن طلبه ؛ لأنه لا خلاف أنه إذا كان في طلبه أكل .

فإن قيل : فقد أباح في هذا الحديث أكل ما أكل منه الكلب ، وهو خلاف قولكم قيل له : قد عارضه حديث عدي بن حاتم ، وقد تقدم الكلام فيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية