الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 250 ] 39 - عن

تقتضي مجاوزة ما أضيف إليه نحو غيره ،
وتعديه عنه ، تقول : أطعمته عن جوع ، أي أزلت عنه الجوع ، ورميت عن القوس ، أي طرحت السهم عنها ، وقولك : أخذت العلم عن فلان ، مجاز ; لأن علمه لم ينتقل عنه ، ووجه المجاز أنك لما تلقيته منه صار كالمنتقل إليك عن محله ، وكذلك قوله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره ( النور : 63 ) لأنهم إذا خالفوا أمره بعدوا عنه وتجاوزوه .

قال أبو محمد البصري : " عن " تستعمل أعم من " على " ؛ لأنه يستعمل في الجهات الست ، وكذلك وقع موقع " على " في قوله :

إذا رضيت علي بنو قشير .

ولو قلت : أطعمته على جوع وكسوته على عري لم يصح .

وتجيء للبدل نحو : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ( البقرة : 48 ) . وللاستعلاء نحو : ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ( محمد : 38 ) .

وقوله : إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ( ص : 32 ) أي قدمته عليه .

وقيل : بل هي على بابها أي منصرفا عن ذكر ربي .

وحكى الرماني عن أبي عبيدة أن " أحببت " من أحب البعير إحبابا ، إذا برك فلم يقم ، فـ " عن " متعلقة باعتبار معناه التضمين ، أي تثبطت عن ذكر ربي ، وعلى هذا فـ " حب الخير " مفعول لأجله .

[ ص: 251 ] وللتعليل ، نحو : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ( التوبة : 114 ) . وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ( هود : 53 ) .

وبمعنى " بعد " نحو : عما قليل ليصبحن نادمين ( المؤمنون : 40 ) . يحرفون الكلم عن مواضعه ( المائدة : 13 ) بدليل أن في مكان آخر " من بعد مواضعه " . لتركبن طبقا عن طبق ( الانشقاق : 19 ) .

وبمعنى " من " نحو : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ( الشورى : 25 ) . أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ( الأحقاف : 16 ) بدليل : فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ( المائدة : 27 ) .

وبمعنى الباء نحو : وما ينطق عن الهوى ( النجم : 3 ) وقيل : على حقيقتها أي وما يصدر قوله عن هوى ، وقيل : للمجاوزة لأن نطقه متباعد عن الهوى ومتجاوز عنه .

وفيه نظر ، لأنها إذا كانت بمعنى الباء نفي عنه النطق حال كونه متلبسا بالهوى ، وهو صحيح ، واذا كانت على بابها نفي عنه التعلق حال كونه مجاوزا عن الهوى ، فيلزم أن يكون النطق حال كونه متلبسا بالهوى وهو فاسد .

التالي السابق


الخدمات العلمية