الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال ) : ولو قال : أنت طالق ألبتة ، أو قال : البائن ينوي ثلاثا فهي ثلاث ; لأن ألبتة عبارة عن القطع ، وقد بينا أن القطع نوعان ، فهو بنية الثلاث ينوي أحد نوعي القطع فيعمل بنيته ، وكذلك ولو قال : أنت طالق حراما ينوي ثلاثا ، فهو كما نوى ; لأنه نوى أحد نوعي الحرمة ، وكذلك لو قال : طالق الحرام ، فهذا وقوله حرام سواء ، ويستوي إن كان دخل بها أو لم يدخل بها ; لأن الكلمة واحدة ، فإن ما ذكر بعد قوله طالق تفسير لهذه الكلمة ، فهذا وقوله أنت طالق ثلاثا سواء ، وإن قال : أنت طالق الطلاق أو طلاقا ، فإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة رجعية ، وإن عنى بطالق تطليقة ، وبالطلاق أخرى فهي ثنتان رجعيتان إن كان قد دخل بها ; لأن هذه الألفاظ مشتقة من لفظ صريح الطلاق ، وإن لم يدخل بها فواحدة بائنة ، فإنه لما نوى بكل كلمة تطليقة كان هذا بمنزلة قوله : أنت طالق ، أنت طالق فتبين بالأولى .

فإن قال : أنت طالق الطلاق كله فهي طالق [ ص: 135 ] ثلاثا كانت له نية ، أو لم تكن ; لأنه صرح بإيقاع كل الطلاق ، وهو ثلاث ، ومع التصريح لا حاجة إلى النية ، وإن قال : أنت طالق أخبث الطلاق ، أو أشد الطلاق ، أو أعظم الطلاق ، أو أكبر الطلاق فهذا كله باب واحد ، فإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة ، أو لم يكن له نية فهي واحدة بائنة ; لما بينا أن معنى العظم ، والكبر ، والشدة يظهر في الحكم فهذا ، وقوله طالق بائن سواء .

وإن قال : أنت طالق أكبر الطلاق فهي ثلاث لا يدين فيها إذا قال : نويت واحدة ; لأن الكثرة ، والقلة في العدد ، فقد صرح بإيقاع أكثر ما يملك عليها من الطلاق ، ومع التصريح لا حاجة إلى النية ولو قال : أسوأ الطلاق ، أو شره ، أو أفحشه ، فهو وقوله أخبث الطلاق سواء على ما بينا ، وإن قال : أكمل الطلاق ، أو أتم الطلاق فهي واحدة رجعية ; لأنه ليس في لفظه ما ينبئ عن العظم ، والشدة ، ولو قال : أنت طالق طول كذا ، أو عرض كذا فهي واحدة بائنة ; لأن الطول ، والعرض فيه إشارة إلى معنى الشدة فإن الأمر إذا اشتد على إنسان يقول : كان لهذا الأمر طول وعرض فتكون واحدة بائنة ، ولا تكون ثلاثا ، وإن نواها ; لأن الطول ، والعرض للشيء الواحد فكأنه قال : أنت طالق واحدة طولها وعرضها كذا ، وهذا لا تسع فيه نية الثلاث .

ولو قال : أنت طالق خير الطلاق ، أو أعدل الطلاق ، أو أحسن الطلاق فهذا بمنزلة قوله : أنت طالق للسنة ; لأن الأعدل ، والأحسن ما يوافق السنة ، وإنما يوصف بالخيرية ما يوافق السنة حتى يقع بهذا تطليقة رجعية في وقت السنة ، وإن نوى ثلاثا فثلاث بمنزلة قوله ، أنت طالق للسنة .

التالي السابق


الخدمات العلمية