الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              661 693 - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا شعبة قال: حدثني أبو التياح، عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل حبشي كأن رأسه زبيبة". [696، 7142 - فتح: 2 \ 184]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ثم ذكر البخاري حديث ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤمهم سالم - مولى أبي حذيفة - وكان أكثرهم قرآنا.

                                                                                                                                                                                                                              وهو دال لما ترجم به من جواز إمامة المولى، وفيه ترجيح على جواز تقديمه على الحر كما أسلفناه، وفي البيهقي أنه كان فيمن يؤمهم الصديق، والفاروق، وأبو سلمة، وزيد بن حارثة، وعامر بن ربيعة ثم قال: كذا قال في هذا، ولعله في وقت آخر، وإنما قدم الصديق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أن تكون إمامتهم إياهم قبل قدومه وبعده. وقال الداودي: أراد بعد قدوم الصديق. والعصبة - بفتح العين وإسكان الصاد المهملة بعدها باء موحدة، كذا ضبطه شيخنا علاء الدين في "شرحه"، وبخط الحافظ شرف الدين الدمياطي في البخاري: بضم العين وسكون الصاد، وكذا هو بخط شيخنا قطب [ ص: 533 ] الدين في "شرحه"، قال: وضبطه بعضهم بفتح العين والصاد - موضع بقباء، كما سلف في الحديث، وكذا قاله البكري، لكنه ساقه من طريق بلفظ: المعصب، ثم قال: كذا ثبت في متن الكتاب، وكتب الأصيلي عليه: العصبة مهملا غير مضبوط.

                                                                                                                                                                                                                              ثم ذكر البخاري أيضا حديث أبي التياح - بفتح المثناة فوق ثم مثناة تحت - يزيد بن حميد الضبعي عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل حبشي كأن رأسه زبيبة".

                                                                                                                                                                                                                              ويأتي إن شاء الله قريبا، وفي الأحكام أيضا، وهو دال لما ترجم له البخاري أيضا.

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن الجوزي: إنما هو في العمال والأمراء دون الأئمة والخلفاء، فإن الخلافة لقريش لا مدخل فيها للحبشة؛ لقوله - عليه السلام -: "لا يزال هذا الأمر في قريش" وإنما للأئمة تولية من يرون فيجب طاعة ولاتهم. وصغر الرأس معروف في الحبشة، فلذلك قال: "كأن رأسه زبيبة" قلت: ويحتمل أنه يريد سواد رأسه أو قصر شعرها، واجتماع بعضه وتفرقته حتى يصير كالزبيب. قال ابن التين: وفي الحديث النهي عن القيام على السلاطين وإن جاروا؛ لأن قيام القائم [ ص: 534 ] يهيج فتنة تذهب فيها الأنفس والحرم والأموال، وقد مثله بعضهم بالذي يبني قصرا ويهدم مصرا.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه دلالة على وجوب طاعة الخارجي؛ لأنه لما قال: "حبشي" والخلافة في قريش دال على أن الحبشي إنما يكون متغلبا، والفقهاء على أنه يطاع ما أقام الجمع والجماعات والعيد والجهاد، فضرب - عليه السلام - المثل بالحبشي إذ هو غاية في الذم، وإذا أمر بطاعته لم يمتنع من الصلاة خلفه، فكذلك المذموم ببدعة أو فسق.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: "اسمعوا وأطيعوا" يريد في المعروف، لا المنكر فإذا أمر بمنكر فلا سمع ولا طاعة.

                                                                                                                                                                                                                              "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ويلزمهم الإنكار جهدهم، فإن عجزوا لزموا بيوتهم أو خرجوا إلى موضع العدل.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية