الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              4543 [ 2396 ] وعن مسروق قال : دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرا يشبب بأبيات له ، فقال :


                                                                                              حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل



                                                                                              فقالت له عائشة : لكنك لست كذلك ! قال مسروق : فقلت لها : لم تأذنين له يدخل عليك وقد قال الله : والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ؟ [النور: 11] فقالت : وأي عذاب أشد من العمى ! فقالت : إنه كان ينافح - أو يهاجي - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .


                                                                                              رواه البخاري (4756)، ومسلم (2488).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              وقول حسان :


                                                                                              حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل



                                                                                              حصان : عفيفة ، وقد تقدم القول في وجوه الإحصان . ورزان : كاملة الوقار والعقل . يقال : رزن الرجل رزانة فهو رزين إذا كان وقورا ، وامرأة رزان . وغرثى : من الغرث وهو الجوع ، يقال : رجل غرثان ، وامرأة غرثى ، كعطشان وعطشى . والغوافل جمع تكسير غافلة ، يعني : أنهن غافلات عما رمين به من الفاحشة ، كما قال تعالى : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات [النور: 23] ، ويعني حسان بهذا البيت أن عائشة رضي الله عنها في غاية العفة والنزاهة عن أن تزن بريبة ، أي : تتهم بها . ثم وصفها بكمال العقل والوقار والورع المانع لها من أن تتكلم بعرض غافلة ، وشبهها بالغرثى لأن بعض الغوافل [ ص: 422 ] قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها ، وهي حمنة بنت جحش ، فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها بأن تقابلها بما يؤذيها ، لكن حجزها عن ذلك دينها وعقلها وورعها .

                                                                                              و (قول عائشة رضي الله عنها لحسان رضي الله عنه : لكنك لست كذلك ) تعني أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل ، وظاهر هذا الحديث أن حسان كان ممن تكلم بالإفك ، وقد جاء ذلك نصا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه أن الذين تكلموا بالإفك مسطح وحسان وحمنة وعبد الله بن أبي ابن سلول ، غير أنه قد حكى أبو عمر أن عائشة رضي الله عنها قد برأت حسان من الفرية وقالت : إنه لم يقل شيئا ! وقد أنكر حسان أن يكون قد قال من ذلك شيئا في البيت الثاني الذي ذكره متصلا بالبيت المذكور آنفا ، فقال :


                                                                                              فإن كان ما قد قيل عني قلته فلا رفعت سوطي إلي أناملي



                                                                                              فيحتمل أن يقال : إن حسان يعني أن يكون قال ذلك نصا وتصريحا ، ويكون قد عرض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه ، والله أعلم .

                                                                                              وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا ؟ وهل جلد الحد أم لا ؟ فالله أعلم أي ذلك كان .

                                                                                              و (قول عائشة رضي الله عنها " وأي عذاب أشد من العمى ؟ ) ظاهره يدل [ ص: 423 ] على أن حسان كان ممن تولى كبره ، وهذا بخلاف ما قاله عروة عن عائشة رضي الله عنها : إن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول ، وأنه هو الذي كان يستوشيه ويجمعه .




                                                                                              الخدمات العلمية