الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الرابعة عشرة : قوله تعالى : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } : والميثاق هو العهد المؤكد الذي قد ارتبط وانتظم ، ومنه الوثيقة ففيه الدية . قال ابن عباس : هذا هو الكافر الذي له ولقومه العهد ، فعلى قاتله الدية لأهله والكفارة لله سبحانه ، وبه قال جماعة من التابعين والشافعي . وقال مالك وابن زيد والحسن : المراد به ، وهو مؤمن .

                                                                                                                                                                                                              واختار الطبري أن يكون المراد به المقتول الكافر من أهل العهد لأن الله سبحانه أهمله ولم يقل وهو مؤمن ، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب ، وإطلاقه ما قيد قبل ذلك دليل أنه خلافه .

                                                                                                                                                                                                              وهذا عند علمائنا محمول على ما قبله من وجهين : أحدهما : أن هذه الجملة نسقت على ما قبلها وربطت بها ; فوجب أن يكون حكمها حكمه .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : أن الله سبحانه قال : { فدية مسلمة } وقد اختلف الناس في دية الكافر ، فمنهم من جعلها كدية المسلم ، وهو أبو حنيفة وجماعة ; ومنهم من جعلها على النصف ، وهو مالك وجماعة ، ومنهم من جعلها ثلث دية المسلم ، وهو الشافعي وجماعة . والدية المسلمة هي الموفرة . [ ص: 604 ]

                                                                                                                                                                                                              قال القاضي : والذي عندي أن هذه الجملة محمولة على ما قبلها حمل المطلق على المقيد ، وهو أصل من أصول الفقه اختلف الناس فيه ، وقد أتينا فيه بالعجب في المحصول ، وهو عندي لا يلحق إلا بالقياس عليه .

                                                                                                                                                                                                              والدليل على حمل هذه الجملة على التي قبلها أمران :

                                                                                                                                                                                                              أحدهما : أن الكفارة إنما هي لأنه أتلف شخصا عن عبادة الله ; فيلزمه أن يخلص آخر لها .

                                                                                                                                                                                                              والثاني : أن الكفارة إنما هي زجر عن الاسترسال وتقاة للحذر ، وحمل على التثبت عند الرمي ; وهذا إنما هو في حق المسلم . وأما في حق الكافر فلا يلزم فيه مثل هذا .

                                                                                                                                                                                                              ونحرر هذا قياسا فنقول : كل كافر لا كفارة في قتله [ كالمستأمن وقد اتفقنا على أنه لا كفارة في قتله ] ، ولا عذر لهم عنه به احتفال .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الخامسة عشرة : إذا ثبت أن المذكور في هذه الجملة هو المؤمن ، فمن قتل كافرا خطأ ، وله عهد ففيه الدية إجماعا . وقد اختلفوا فيه كما تقدم ، وهو أصل بديع في رفع الدماء . ونحن نمهد فيه قاعدة قوية فنقول : مبنى الديات في الشريعة على التفاضل في الحرمة والتفاوت في المرتبة ; لأنه حق مالي يتفاوت بالصفات ، بخلاف القتل ، لأنه لما شرع زجرا لم يعتبر فيه ذلك التفاوت ، فإذا ثبت هذا نظرنا إلى الدية فوجدنا الأنثى تنقص فيه عن الذكر ; ولا بد أن يكون للمسلم مزية على الكافر ; فوجب ألا يساويه في ديته . وزاد الشافعي نظرا ، فقال : إن الأنثى المسلمة فوق الكافر الذكر ، فوجب أن تنقص ديته عن ديتها ، فتكون ديته ثلث دية المسلم . [ ص: 605 ]

                                                                                                                                                                                                              وقال مالك بقضاء عمر وهو النصف ; إذ لم يراع الصحابة التفاوت بينهما إلا في درجة واحدة ، ولم يتبع ذلك إلى أقصاه ، وليس بعد قضاء عمر بمحضر من الصحابة نظر .

                                                                                                                                                                                                              وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه أعطى في ذي العهد مثل دية المسلم } فإنما كان على معنى الاستئلاف لقومهم ; إذ كان يؤديه من قبل نفسه ولا يرتبها على العاقلة ، وإلا فقد استقر ما استقر على يد عمر ، حتى جعل في المجوسي ثمانمائة درهم لنقصه عن أهل الكتاب ، وهذا يدل على مراعاة التفاوت واعتبار نقص المرتبة .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية