الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      وممن قام على عثمان محمد بن أبي بكر الصديق ، فسئل سالم بن [ ص: 189 ] عبد الله فيما قيل عن سبب خروج محمد ، قال : الغضب والطمع ، وكان من الإسلام بمكان ، وغره أقوام فطمع ، وكانت له دالة ، ولزمه حق ، فأخذه عثمان من ظهره .

                                                                                      وحج معاوية ، فقيل : إنه لما رأى لين عثمان واضطراب أمره ، قال : انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به ، فإن أهل الشام على الطاعة . فقال : أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وإن كان فيه قطع خيط عنقي . قال : فأبعث إليك جندا ؟ قال : أنا أقتر على جيران رسول صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجند تساكنهم ، قال : يا أمير المؤمنين والله لتغتالن ولتغزين ، قال : حسبي الله ونعم الوكيل .

                                                                                      وقد كان أهل مصر بايعوا أشياعهم من أهل الكوفة والبصرة وجميع من أجابهم ، واتعدوا يوما حيث شخص أمراؤهم ، فلم يستقم لهم ذلك ، لكن أهل الكوفة ثار فيهم يزيد بن قيس الأرحبي واجتمع عليه ناس ، وعلى الحرب يومئذ القعقاع بن عمرو ، فأتاه وأحاط الناس بهم فناشدوهم ، وقال يزيد للقعقاع : ما سبيلك علي وعلى هؤلاء ، فوالله إني لسامع مطيع ، وإني لازم لجماعتي إلا أني أستعفي من إمارة سعيد ، ولم يظهروا سوى ذلك ، واستقبلوا سعيدا فردوه من الجرعة ، واجتمع الناس على أبي موسى ، فأقره عثمان .

                                                                                      ولما رجع الأمراء لم يكن للسبئية سبيل إلى الخروج من الأمصار ، فكاتبوا أشياعهم أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون ، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف ، وأنهم يسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس ولتحقق عليه ، فتوافوا بالمدينة ، فأرسل عثمان رجلين من بني [ ص: 190 ] مخزوم ومن بني زهرة ، فقال : انظرا ما يريدون ، وكانا ممن ناله من عثمان أدب ، فاصطبرا للحق ولم يضطغنا ، فلما رأوهما باثوهما وأخبروهما ، فقالا : من معكم على هذا من أهل المدينة ؟ قالوا : ثلاثة ، قالا : فكيف تصنعون ؟ قالوا : نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس ، ثم نرجع إليهم ونزعم لهم أنا قد قررناه بها ، فلم يخرج منها ولم يتب ، ثم نخرج كأننا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه ، فإن أبى قتلناه .

                                                                                      فرجعا إلى عثمان بالخبر ، فضحك ، وقال : اللهم سلم هؤلاء ، فإنك إن لم تسلمهم شقوا ، فأما عمار فحمل علي ذنب ابن أبي لهب وعركه بي ، وأما محمد بن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى الحقوق لا تلزمه ، وأما ابن سارة فإنه يتعرض للبلاء .

                                                                                      وأرسل إلى المصريين والكوفيين ، ونادى : الصلاة جامعة وهم عنده في أصل المنبر فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ، وأخبرهم بالأمر ، وقام الرجلان ، فقال الناس : اقتل هؤلاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من دعا إلى نفسه أو إلى أحد ، وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه " .

                                                                                      وقال عثمان : بل نعفو ونقبل ، ونبصرهم بجهدنا ، إن هؤلاء قالوا : أتم الصلاة في السفر ، وكانت لا تتم ، ألا وإني قدمت بلدا فيه أهلي فأتممت لهذا .

                                                                                      قالوا : وحميت الحمى ، وإني والله ما حميت إلا ما حمي قبلي ، وإني قد وليت وإني لأكثر العرب بعيرا وشاء ، فمالي اليوم غير بعيرين لحجتي ، أكذاك ؟ قالوا : نعم .

                                                                                      [ ص: 191 ] قال : وقالوا : كان القرآن كتبا فتركتها إلا واحدا ، ألا وإن القرآن واحد جاء من عند واحد ، وإنما أنا في ذلك تابع هؤلاء ، أفكذاك ؟ قالوا : نعم .

                                                                                      وقالوا : إني رددت الحكم وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ثم رده ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيره وهو رده ، أفكذاك ؟ قالوا : نعم .

                                                                                      وقالوا : استعملت الأحداث . ولم أستعمل إلا مجتمعا مرضيا ، وهؤلاء أهل عملي فسلوهم ، وقد ولى من قبلي أحدث منه ، وقيل في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة ، أكذاك ؟ قالوا : نعم .

                                                                                      وقالوا : إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه ، وإني إنما نفلته خمس الخمس ، فكان مائة ألف ، وقد نفل مثل ذلك أبو بكر وعمر ، وزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم ، وليس ذلك لهم ، أكذاك ؟ قالوا : نعم .

                                                                                      وقالوا : إني أحب أهل بيتي وأعطيهم . فأما حبهم فلم يوجب جورا ، وأما إعطاؤهم فإنما أعطيهم من مالي ، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد ، وكان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية ، وجعل ولده كبعض من يعطى .

                                                                                      قال : ورجع أولئك إلى بلادهم وعفا عنهم ، قال : فتكاتبوا وتواعدوا إلى شوال ، فلما كان شوال خرجوا كالحجاج حتى نزلوا بقرب المدينة ، فخرج أهل مصر في أربع مائة ، وأمراؤهم عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وكنانة بن بشر الليثي ، وسودان بن حمران السكوني ، وقتيرة السكوني ، ومقدمهم الغافقي بن حرب العكي ، ومعهم ابن السوداء .

                                                                                      [ ص: 192 ] وخرج أهل الكوفة في نحو عدد أهل مصر ، فيهم زيد بن صوحان العبدي ، والأشتر النخعي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم ، ومقدمهم عمرو بن الأصم .

                                                                                      وخرج أهل البصرة وفيهم حكيم بن جبلة ، وذريح بن عباد العبديان ، وبشر بن شريح القيسي ، وابن محرش الحنفي ، وعليهم حرقوص بن زهير السعدي .

                                                                                      فأما أهل مصر فكانوا يشتهون عليا ، وأما أهل البصرة فكانوا يشتهون طلحة ، وأما أهل الكوفة فكانوا يشتهون الزبير ، وخرجوا ولا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم دون الأخرى ، حتى كانوا من المدينة على ثلاث ، فتقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب ، وتقدم ناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص ، وجاءهم ناس من أهل مصر ، ونزل عامتهم بذي المروة ، ومشى فيما بين أهل البصرة وأهل مصر زياد بن النضر ، وعبد الله بن الأصم ؛ ليكشفوا خبر المدينة ، فدخلا فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة ، والزبير ، وعليا ، فقالا : إنما نؤم هذا البيت ، ونستعفي من بعض عمالنا ، واستأذنوهم للناس بالدخول ، فكلهم أبى ونهى ، فرجعا . فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا ، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة ، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير ، وقال كل فريق منهم : إن بايعنا صاحبنا ، وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم ، ثم كررنا حتى نبغتهم .

                                                                                      فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت ، وقد سرح [ ص: 193 ] ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه ، فسلم على علي المصريون ، وعرضوا له ، فصاح بهم وطردهم ، وقال : لقد علم الصالحون أنكم ملعونون ، فارجعوا لا صحبكم الله ، فانصرفوا ، وفعل طلحة والزبير نحو ذلك .

                                                                                      فذهب القوم وأظهروا أنهم راجعون إلى بلادهم ، فذهب أهل المدينة إلى منازلهم ، فلما ذهب القوم إلى عساكرهم كروا بهم ، وبغتوا أهل المدينة ودخلوها ، وضجوا بالتكبير ، ونزلوا في مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا : من كف يده فهو آمن .

                                                                                      ولزم الناس بيوتهم ، فأتى علي رضي الله عنه فقال : ما ردكم بعد ذهابكم ؟ قالوا : وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا ، وقال الكوفيون والبصريون : نحن نمنع إخواننا وننصرهم ، فعلم الناس أن ذلك مكر منهم .

                                                                                      وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم ، فساورا إليه على الصعب والذلول ، وبعث معاوية إليه حبيب بن مسلمة ، وبعث ابن أبي سرح معاوية بن حديج وسار إليه من الكوفة القعقاع بن عمرو .

                                                                                      فلما كان يوم الجمعة صلى عثمان بالناس وخطب ، فقال : يا هؤلاء الغزاء الله الله ، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فامحوا الخطأ بالصواب ، فإن الله لا يمحو السيء إلا بالحسن ، فقام محمد بن مسلمة ، فقال : أنا أشهد بذلك ، فأقعده حكيم بن جبلة ، فقام زيد بن ثابت فقال : ابغني الكتاب ، فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وتكلم فأفظع ، وثار القوم بأجمعهم ، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم ، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه ، فاحتمل وأدخل الدار .

                                                                                      وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن ينصرهم [ ص: 194 ] إلا ثلاثة ، فإنهم كانوا يراسلونهم ، وهم : محمد بن أبي بكر الصديق ، ومحمد بن جعفر ، وعمار بن ياسر .

                                                                                      قال : واستقتل أناس : منهم زيد بن ثابت ، وأبو هريرة ، وسعد بن مالك ، والحسن بن علي ، ونهضوا لنصرة عثمان ، فبعث إليهم يعزم عليهم لما انصرفوا ، فانصرفوا ، وأقبل علي حتى دخل على عثمان هو وطلحة والزبير يعودونه من صرعته ، ثم رجعوا إلى منازلهم .

                                                                                      وقال عمرو بن دينار ، عن جابر ، قال : بعثنا عثمان خمسين راكبا ، وعلينا محمد بن مسلمة حتى أتينا ذا خشب ، فإذا رجل معلق المصحف في عنقه ، وعيناه تذرفان ، والسيف بيده وهو يقول : ألا إن هذا - يعني المصحف - يأمرنا أن نضرب بهذا يعني السيف على ما في هذا يعني المصحف فقال محمد بن مسلمة : اجلس فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك ، فجلس فلم يزل يكلمهم حتى رجعوا .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية