الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      وقال الواقدي : حدثني ابن جريج وغيره ، عن عمرو ، عن جابر ، أن المصريين لما أقبلوا يريدون عثمان دعا عثمان محمد بن مسلمة ، فقال : اخرج إليهم فارددهم وأعطهم الرضا ، وكان رؤساؤهم أربعة : عبد الرحمن بن عديس ، وسودان بن حمران ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وابن البياع ، فأتاهم ابن مسلمة ، فلم يزل حتى رجعوا ، فلما كانوا بالبويب رأوا جملا عليه ميسم الصدقة ، فأخذوه ، فإذا غلام لعثمان ، ففتشوا متاعه ، فوجدوا قصبة من رصاص ، فيها كتاب في جوف الإداوة في الماء : إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن افعل بفلان كذا ، وبفلان كذا ، من القوم الذين شرعوا في قتل عثمان ، فرجع القوم [ ص: 195 ] ثانية ونازلوا عثمان وحصروه .

                                                                                      قال الواقدي : فحدثني عبد الله بن الحارث ، عن أبيه ، قال : أنكر عثمان أن يكون كتب ذلك الكتاب ، وقال : فعل ذلك بلا أمري .

                                                                                      وقال أبو نضرة ، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد ، فذكر طرفا من الحديث ، إلى أن قال : ثم رجعوا راضين ، فبينما هم بالطريق ظفروا برسول إلى عامل مصر أن يصلبهم ويفعل ويفعل ، فردوا إلى المدينة ، فأتوا عليا فقالوا : ألم تر إلى عدو الله ، فقم معنا ، قال : والله لا أقوم معكم ، قالوا : فلم كتبت إلينا ؟ قال : والله ما كتبت إليكم ، فنظر بعضهم إلى بعض ، وخرج علي من المدينة ، فانطلقوا إلى عثمان ، فقالوا : أكتبت فينا بكذا ؟ فقال : إنما هما اثنان ، تقيمون رجلين من المسلمين - يعني شاهدين - أو يمين بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا علمت ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم . فقالوا : قد أحل الله دمك ، ونقض العهد والميثاق ، وحصروه في القصر .

                                                                                      وقال ابن سيرين : إن عثمان بعث إليهم عليا ، فقال : تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم ، فأقبل معه ناس من وجوههم ، فاصطلحوا على خمس : على أن المنفي يقلب ، والمحروم يعطى ، ويوفر الفيء ، ويعدل في القسم ، ويستعمل ذو الأمانة والقوة ، كتبوا ذلك في كتاب ، وأن يردوا ابن عامر إلى البصرة وأبا موسى إلى الكوفة .

                                                                                      [ ص: 196 ] وقال أبو الأشهب ، عن الحسن ، قال : لقد رأيتهم تحاصبوا في المسجد حتى ما أبصر السماء ، وإن رجلا رفع مصحفا من حجرات النبي صلى الله عليه وسلم ثم نادى : ألم تعلموا أن محمدا قد برئ ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعا .

                                                                                      وقال سلام : سمعت الحسن ، قال : خرج عثمان يوم الجمعة ، فقام إليه رجل ، فقال : أسألك كتاب الله ، فقال : ويحك ، أليس معك كتاب الله ، قال : ثم جاء رجل آخر فنهاه ، وقام آخر ، وآخر ، حتى كثروا ، ثم تحاصبوا حتى لم أر أديم السماء .

                                                                                      وروى بشر بن شغاف ، عن عبد الله بن سلام ، قال : بينما عثمان يخطب ، فقام رجل فنال منه ، فوذأته فاتذأ ، فقال رجل : لا يمنعك مكان ابن سلام أن تسب نعثلا ، فإنه من شيعته ، فقلت له : لقد قلت القول العظيم في الخليفة من بعد نوح .

                                                                                      وذأته : زجرته وقمعته . وقالوا لعثمان " نعثلا " تشبيها له برجل مصري اسمه نعثل كان طويل اللحية ، والنعثل : الذكر من الضباع ، وكان عمر يشبه بنوح في الشدة .

                                                                                      وقال ابن عمر : بينما عثمان يخطب إذ قام إليه جهجاه الغفاري ، فأخذ من يده العصا فكسرها على ركبته ، فدخلت منها شظية في ركبته ، فوقعت فيها الأكلة .

                                                                                      وقال غيره : ثم إنهم أحاطوا بالدار وحصروه ، فقال سعد بن إبراهيم ، عن أبيه : سمعت عثمان يقول : إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في القيود فضعوهما .

                                                                                      [ ص: 197 ] وقال ثمامة بن حزن القشيري : شهدت الدار وأشرف عليهم عثمان ، فقال : ائتوني بصاحبيكم الذين ألباكم ، فدعيا له ، كأنهما جملان أو حماران ، فقال : أنشدكما الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس فيها ماء عذب غير بئر رومة ، فقال : " من يشتريها فيكون دلوه كدلاء المسلمين ، وله في الجنة خير منها " فاشتريتها ، وأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من الماء المالح ؟ قالا : اللهم نعم . قال : أنشدكما الله والإسلام ، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من يشتري بقعة بخير له منها في الجنة " فاشتريتها وزدتها في المسجد ، وأنتم تمنعوني اليوم أن أصلي فيها ؟ قالا : اللهم نعم . قال : أنشدكما الله ، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثبير مكة ، فتحرك وعليه أبو بكر وعمر وأنا ، فقال : " اسكن فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان " ؟ قالا : اللهم نعم ، فقال : الله أكبر ؛ شهدا ورب الكعبة أني شهيد .

                                                                                      ورواه أبو سلمة بن عبد الرحمن بنحوه ، وزاد فيه أنه جهز جيش العسرة ، ثم قال : ولكن طال عليكم أمري فاستعجلتم ، وأردتم خلع سربال سربلنيه الله ، وإني لا أخلعه حتى أموت أو أقتل .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية