الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      وعن ابن عمر ، قال : فأشرف عليهم ، وقال : علام تقتلونني ؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إسلام ، أو رجل زنى بعد إحصان ، أو رجل قتل نفسا " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا قتلت رجلا ، ولا كفرت .

                                                                                      قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف : إني لمع عثمان وهو [ ص: 198 ] محصور ، فكنا ندخل إليه مدخلا - إذا دخل إليه الرجل - سمع كلام من على البلاط ، فدخل يوما فيه وخرج إلينا وهو متغير اللون ، فقال : إنهم يتوعدوني بالقتل ، فقلنا : يكفيكهم الله .

                                                                                      وقال سهل السراج ، عن الحسن ، قال عثمان : لئن قتلوني لا يقاتلون عدوا جميعا أبدا ، ولا يقتسمون فيئا جميعا أبدا ، ولا يصلون جميعا أبدا .

                                                                                      وقال مثله عبد الملك بن أبي سليمان ، عن أبي ليلى الكندي ، وزاد فيه : ثم أرسل إلى عبد الله بن سلام ، فقال : ما ترى ؟ فقال : الكف الكف ، فإنه أبلغ لك في الحجة ، فدخلوا عليه فقتلوه وهو صائم ، رضي الله عنه وأرضاه .

                                                                                      وقال الحسن : حدثني وثاب ، قال : بعثني عثمان ، فدعوت له الأشتر ، فقال : ما يريد الناس ؟ قال : إحدى ثلاث : يخيرونك بين الخلع ، وبين أن تقتص من نفسك ، فإن أبيت فإنهم قاتلوك ، فقال : ما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله ، وبدني ما يقوم لقصاص .

                                                                                      وقال حميد بن هلال : حدثنا عبد الله بن مغفل ، قال : كان عبد الله بن سلام يجيء من أرض له على حمار يوم الجمعة ، فلما هاجوا بعثمان قال : يا أيها الناس لا تقتلوا عثمان ، واستعتبوه ، فوالذي نفسي بيده ما قتلت أمة نبيها فصلح ذات بينهم حتى يهريقوا دم سبعين ألفا ، وما قتلت أمة خليفتها فيصلح الله بينهم حتى يهريقوا دم أربعين ألفا ، وما هلكت أمة حتى يرفعوا القرآن على السلطان ، قال : فلم ينظروا فيما قال وقتلوه ، فجلس على طريق علي بن أبي طالب ، فقال له : لا تأت العراق [ ص: 199 ] والزم منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده لئن تركته لا تراه أبدا ، فقال من حول علي : دعنا نقتله ، قال : دعوا عبد الله بن سلام ، فإنه رجل صالح .

                                                                                      قال عبد الله بن مغفل : كنت استأمرت عبد الله بن سلام في أرض أشتريها ، فقال بعد ذلك : هذه رأس أربعين سنة ، وسيكون بعدها صلح فاشترها ، قيل لحميد بن هلال : كيف ترفعون القرآن على السلطان ؟ قال : ألم تر إلى الخوارج كيف يتأولون القرآن على السلطان ؟

                                                                                      ودخل ابن عمر على عثمان وهو محصور ، فقال : ما ترى ؟ قال : أرى أن تعطيهم ما سألوك من وراء عتبة بابك غير أن لا تخلع نفسك ، فقال : دونك عطاءك وكان واجدا عليه فقال : ليس هذا يوم ذاك ، ثم خرج ابن عمر إليهم فقال : إياكم وقتل هذا الشيخ ، والله لئن قتلتموه لم تحجوا البيت جميعا أبدا ، ولم تجاهدوا عدوكم جميعا أبدا ، ولم تقتسموا فيئكم جميعا أبدا إلا أن تجتمع الأجساد والأهواء مختلفة ، ولقد رأيتنا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون نقول : أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان . رواه عاصم بن محمد العمري ، عن أبيه ، عن ابن عمر .

                                                                                      وعن أبي جعفر القارئ ، قال : كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة : رأسهم كنانة بن بشر ، وابن عديس البلوي ، وعمرو بن الحمق ، والذين قدموا من الكوفة مئتين ، رأسهم الأشتر النخعي ، والذين قدموا من البصرة مائة ، رأسهم حكيم بن جبلة ، وكانوا يدا واحدة في الشر ، وكانت حثالة من الناس قد ضووا إليهم ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين خذلوه كرهوا الفتنة وظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله ، فلما قتل ندموا على ما ضيعوا في أمره ، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في [ ص: 200 ] وجوه أولئك التراب لانصرفوا خاسئين .

                                                                                      وقال الزبير بن بكار : حدثني محمد بن الحسن ، قال : لما كثر الطعن على عثمان تنحى علي إلى ماله بينبع ، فكتب إليه عثمان : أما بعد ؛ فقد بلغ الحزام الطبيين ، وخلف السيل الزبى ، وبلغ الأمر فوق قدره ، وطمع في الأمر من لا يدفع عن نفسه :

                                                                                      فإن كنت مأكولا فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزق

                                                                                      والبيت لشاعر من عبد القيس : الطبي : موضع الثدي من الخيل .

                                                                                      وقال محمد بن جبير بن مطعم : لما حصر عثمان أرسل إلى علي : إن ابن عمك مقتول ، وإنك مسلوب .

                                                                                      وعن أبان بن عثمان ، قال : لما ألحوا على عثمان بالرمي ، خرجت حتى أتيت عليا ، فقلت : يا عم أهلكتنا الحجارة ، فقام معي ، فلم يزل يرمي حتى فتر منكبه ، ثم قال : يا بن أخي ، اجمع حشمك ، ثم يكون هذا شأنك .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية