الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة السابعة : قوله تعالى : { أو الوالدين } : أمر الله سبحانه بالشهادة بالحق على الوالدين : الأب والأم ، وذلك دليل على أن شهادة الابن على الأبوين لا يمنع ذلك برهما ، بل من برهما أن يشهد عليهما بالحق ، ويخلصهما من الباطل ، وهو من قوله تعالى : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } في بعض معانيه .

                                                                                                                                                                                                              وقد اتفقت الأمة على قبول شهادة الابن على الأبوين ، فإن شهد لهما أو شهدا له وهي :

                                                                                                                                                                                                              المسألة الثامنة : فقد اختلف العلماء فيها قديما وحديثا ; فقال ابن شهاب : كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالد والأخ لأخيه ، ويتأولون في ذلك قول الله سبحانه : { يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } ; فلم يكن أحد يتهم في ذلك من السلف الصالح ، ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم ، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة ، وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل أنه لا تجوز شهادة الوالد للولد ، وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا .

                                                                                                                                                                                                              وروي عن عمر أنه أجازه ، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز ، وبه قال إسحاق وأبو ثور والمزني . ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب . [ ص: 638 ] وروى ابن وهب عن مالك أنه لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه ، ولا تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر ; وأجازه الشافعي .

                                                                                                                                                                                                              ولا تجوز شهادة الصديق الملاطف عنده ، ولا إذا كان في عياله . والمختار عندي أن أصل الشريعة لا تجوز شهادة الوالد للولد ولا الولد للوالد لما بينها من البعضية ; قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها } . وشهادة الإنسان لنفسه لا تجوز ، إلا أن من تقدم قال : إنه كان يسامح فيه . وما روى قط أحد أنه نفذ قضاء بشهادة ولد لوالده ولا والد لولده ، وإنما معنى المسامحة فيه أنهم كانوا لا يصرحون بردها ، ولا يحذرون منها لصلاح الناس ، فلما فسدوا وقع التحذير ، ونبه العلماء على الأصل ، فظن من تغافل أو غفل أن الماضين جوزوها ، وما كان ذلك قط ; وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه } .

                                                                                                                                                                                                              وقد جعله الله جزءا منه في الإسلام ; وتبعا له في الإيمان ، فهو مسلم بإسلام أبيه بإجماع ، ومسلم بإسلام أمه باختلاف ، وماله لأبيه حيا وميتا ، وهكذا في أصول الشريعة ، ولا بيان فوق هذا . والأخ وإن كان بينها بعضية فإنها بعيدة حقيقة وعادة ، فجوزها العلماء في جانب الأخ بشرط العدالة المبررة ، ما لم تجر نفعا .

                                                                                                                                                                                                              وخالف الشافعي فقال : يجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض ; لأنهما أجنبيان ; وإنما بينهما عقد الزوجية ، وهو سبب معرض للزوال . وهذا ضعيف : فإن الزوجية توجب الحنان والتعطف والمواصلة والألفة والمحبة ، وله حق في مالها عندنا ، ولذلك لا تتصرف في الهبة إلا في ثلثها . وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف ، ولها في ماله حق الكسوة والنفقة ، وهذه شبهة توجب رد الشهادة . [ ص: 639 ]

                                                                                                                                                                                                              المسألة التاسعة : ألحق مالك الصديق الملاطف بالقرابة القريبة ; فهي في العادة أقوى منها ، وهي في المودة ; فكانت مثلها في رد الشهادة .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية