الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أي : وبسبب قولهم هذا فإنه قول يؤذن بمنتهى الجرأة على الباطل ، والضراوة بارتكاب الجرائم ، والاستهزاء بآيات الله ورسله . ووصفه هنا بصفة الرسالة للإيذان بتهكمهم به عليه السلام ، واستهزائهم بدعوته ، وهو مبني على أنه إنما ادعى النبوة والرسالة فيهم ، لا الألوهية كما تزعم النصارى . على أن أناجيلهم ناطقة بأنه كان موحدا لله - تعالى - مدعيا للرسالة ; كقوله في رواية إنجيل يوحنا ( 3:17 وهذه هي الحياة الأبدية : أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيح الذي أرسلته ) .

                          ويجوز أن يكون قوله : رسول الله منصوبا على المدح ، أو الاختصاص للإشارة إلى فظاعة عملهم ، ودرجة جهلهم ، وشناعة زعمهم وما قتلوه وما صلبوه أي والحال أنهم ما قتلوه ، كما زعموا تبجحا بالجريمة ، وما صلبوه كما ادعوا وشاع بين الناس ولكن شبه لهم أي وقع لهم الشبهة أو الشبه ; فظنوا أنهم صلبوا عيسى ، وإنما صلبوا غيره ، ومثل هذا الشبه أو الاشتباه يقع في كل زمان كما سنبينه قريبا وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن أي : وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل الكتاب في شك من حقيقة أمره ; أي في حيرة ، وتردد ما لهم به من علم ثابت قطعي . لكنهم يتبعون الظن أي القرائن التي ترجح بعض الآراء الخلافية على بعض . فالشك الذي هو التردد بين أمرين شامل لمجموعهم ، لا لكل فرد من أفرادهم ، هذا إذا كان كما يقول علماء المنطق لا يستعمل إلا فيما تساوى طرفاه بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر ، والذين يتبعون الظن في أمره هم أفراد رجحوا بعض ما وقع الاختلاف فيه على بعض ، بالقرائن أو بالهوى والميل . والصواب أن هذا معنى اصطلاحي للشك ، وأما معناه في أصل اللغة ، فهو نحو من معنى الجهل ، وعدم استبانة ما يجول في الذهن من الأمر ، قال الركاض الدبيري :


                          يشك عليك الأمر ما دام مقبلا وتعرف ما فيه إذا هو أدبرا

                          فجعل المعرفة في مقابلة الشك . وقال ابن الأحمر :


                          وأشياء مما يعطف المرء ذا النهى     تشك على قلبي فما أستبينها

                          وفي لسان العرب أن الشك ضد اليقين . فهو إذا يشمل الظن في اصطلاح أهل المنطق ، وهو ما ترجح أحد طرفيه . فالشك في صلب المسيح هو التردد فيه ، أكان هو المصلوب [ ص: 17 ] ، أم غيره ! فبعض المختلفين في أمره الشاكين فيه يقول : إنه هو ، وبعضهم يقول : إنه غيره ، وما لأحد منهما علم يقيني بذلك ، وإنما يتبعون الظن .

                          وقوله تعالى : إلا اتباع الظن استثناء منقطع كما علم من تفسيرنا له . وفي الأناجيل المعتمدة عند النصارى ، أن المسيح قال لتلاميذه : ( كلكم تشكون ، في ، في هذه الليلة ) أي التي يطلب فيها للقتل ( متى 26 : 31 ومرقس 14 : 27 ) .

                          فإذا كانت أناجيلهم لا تزال ناطقة بأنه أخبر أن تلاميذه وأعرف الناس به يشكون فيه في ذلك الوقت ، وخبره صادق قطعا ، فهل يستغرب اشتباه غيرهم وشك من دونهم في أمره ، وقد صارت قصته رواية تاريخية منقطعة الإسناد ؟ !

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية