الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الداعية الناجح.. قناص فرص!!

2474 0 501

 حوار مع فضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن مسفر القحطاني

 ... إن الدعوة إلى الله عز وجل من أهم المواضيع الواجب طرحها كلما استجدت أمور أو تغيرت أحوال أو تطور مجتمع، وفي عصرنا الحاضر الذي يسمى بعصر العولمة، وعصر التجارة العالمية، والذي اختلطت فيه الشعوب  وتمازجت فيه الحضارات واقترب فيه البعيد حتى أصبح العالم كأنه قرية صغيرة تنتشر فيه المعلومة بسرعة هائلة بغض النظر عن صحتها، أصبح المسلمون في أمس الحاجة إلى الرجوع إلى علمائهم والصدور عن آراء أولئك العلماء حتى يسير المسلم على نور من الله تعالى وحتى لا يقع في المزالق الخطيرة التي ربما أثارت لديه الشكوك في دينه عندما يأخذ العِلم عن غير أهله فيوقعه ذلك في البدع أو ربما أخرجه من دينه بالكلية وهو لا يعلم، فأصبح داعيا إلى الضلالة بدلا من دعوته للهداية.

وفضيلة الداعية الإسلامي المعروف الدكتور سعيد بن مسفر القحطاني حفظه الله ووفقه، طرحت عليه بعض هموم الدعوة فكان هذا الحوار:

* بداية، فضيلة الشيخ، لو حدثتنا عن أهمية الدعوة إلى الله تعالى في هذاالزمن والأجور التي يتحصل عليها الداعي إلى الله عز وجل؟

- الدعوة إلى الله هي وظيفة الأنبياء والرسل اختار الله لها صفوة خلقه وكلفهم بإبلاغ دينه إلى أممهم. وهيأهم لحمل هذه المهمة { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124]. وقد ختمهم بأفضل أنبيائه وأكرم رسله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولخص له هذه المهمة في قوله تعالى: { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } [الأحزاب: 45 - 46]، وأخبر أن هذه الدعوة هي وظيفته ووظيفة أتباعه من بعده فقال سبحانه: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } [يوسف: 108]. ورسم له منهج الدعوة وأسلوب البلاغ، فقال عز وجل: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [النحل: 125]. ومدح القائمين بها وأثنى عليهم وأخبر أنهم يمارسون أفضل عمل فقال سبحانه: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } [فصلت: 33]. وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بعظم الثواب فقال كما في صحيح مسلم: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه دون أن ينقص من أجورهم شيء ).

* فضيلة الشيخ، أحسن الله إليكم، يحجم كثير من طلبة العلم عن الدعوة إلى الله بحجة أن الساحة مليئة بالمشايخ والدعاة وليس هناك حاجة لأن يقوم بالدعوة، فما توجيهكم؟

- الدعوة إلى الله كما أسلفت مهمة كل مسلم وليست مهمة المشايخ أو الدعاة فقط، وعلى كل مسلم أن يشعر بهذا الشعور وأن يحس بهذه المسؤولية وأن يمارسها على قدر استطاعته وإحجام بعض طلبة العلم عن الدعوة بحجة كثرة الدعاة تصرف غير مقبول فإن الدعوة تحتاج إلى جهد كل مسلم أيا كان موقعه أو إمكانياته.

* فضيلة الشيخ، لا يخفى على فضيلتكم اندفاع بعض الشباب وحماسهم لبعض المذاهب الفقهية أو المناهج المختلفة بعيدا عن العلماء الربانيين فماذا تقول لهؤلاء؟

-  اندفاع الشباب وحماسهم لحمل مسؤولية الدعوة ظاهرة طيبة وأمر محمود ينبغي مساعدتهم عليه، ولكن لا بد أن يكون ذلك أولا من خلال الأدوات الرسمية التي تنظم عمل الدعوة، وثانيا على منهج العلماء الثقات بعيدا عن الانتماءات الفكرية والولاءات الخاصة وإنما على منهج أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة.

* فضيلة الشيخ، تتنوع الوسائل الدعوية كما تتنوع الأساليب التي يدعى من خلالها، فما هي الأساليب والوسائل التي يدعو من خلالها الداعي إلى الله تعالى في ظل الانفتاح الإعلامي في هذا العصر؟

- هناك جدل عقيم يدور في الساحة الدعوية عم وسائل الدعوة، وهل هي توفيقية أم اجتهادية؟ وفي اعتقادي أن طرح هذا الموضوع وصرف الأوقات في النقاش حوله من الترف الفكري. لأن من بديهات الأمور أن الأصل في الوسائل الإباحة إلا ما ورد الشرع بالنهي عنه وأن كل وسيلة تؤدي إلى تحقيق أغراض وأهداف الرسالة من عبادة الله وحده وإقامة شرعه وإظهار دينه ودحر الشرك والفسوق والعصيان وأهله، فهي وسيلة مشروعة ما لم يرد في الشرع ما يدل على النهي عنها لأن الشارع لم يحدد أسلوبا معينا ولا طريقة محددة ولا وسيلة خاصة لتحقيق تلك الأهداف، وإنما اشترط أن تكون بوسائل شرعية لا تتعارض مع مبادئه لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، أما الأساليب والوسائل التي يمكن الداعية أن يسلكها فهي على سبيل المثال لا الحصر:

1 - إعادة وإحياء المهمة العظيمة والدور البارز للمسجد، وذلك بإسناد الإمامة والخطابة إلى الأكفاء من أهل العِلم والدعوة.

2 - نشر الدعوة من خلال المؤسسات التعليمية بالاهتمام بالمؤسسات التعليمية والعمل على تطويرها وتنشيط جمعيات التوعية الإسلامية في المدارس والمعاهد وغيرها.

3 - استغلال وسائل الإعلام كالصحف والإذاعة والتلفاز لما لها من سرعة الانتشار وقوة التأثير.

4 - استغلال الشريط الصوتي والمرئي والعمل على تطويره وحسن تسجيله.

5 - الاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة كالهاتف والفاكس والإنترنت بحيث يتم تبليغ دعوة الإسلام إلى جميع آفاق الأرض.

* فضيلة الشيخ، هل هناك عوائق من المتوقع أن يقابلها الداعي إلى الله وكيف يمكن التعامل معها؟

- هذا السؤال من أهم الأسئلة لأن تلك المعوقات التي سأذكر بعضها قد حالت دون انتشار دين الله وأدت إلى وقوع الدعوة في مشاكل عديدة ما كانت لتحدث لولا هذه الأمور منها:

أولا: تأثر بعض الشباب العامل للدعوة بالفكر الاعتزالي والخارجي لحداثة أسنانهم وضحالة علمهم وقلة خبرتهم وعدم رجوعهم إلى أهل العِلم مما أدى إلى هجوم نزعة الخروج على أذهانهم وكثرة الخوض والثرثرة والجدل العقيم ثم اعتناق هذه الأفكار وتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وزاد الطين بِلة اتهام العلماء الراسخين في العلم بقلة الوعي ووصفهم بالسطحية وقصر النظر واتهامهم بمداهنة الحكام ويترتب على هذا اتخاذ رؤساء جهال لا يملكون سوى أفكار وثقافات تحرك العواطف وتثير البلابل وتؤدي إلى لانقسامات والتشرذم والبعد عن السنن والعلوم الشرعية.

ثانيا: احتكار الصواب ومصادرة الرأي المخالف مع الحكم على القلوب واتهام النيات وتصيد العثرات والانشغال بالجدل والمراء وترك العمل المثمر والتعالم والاستدلال بالنصوص على غير ما تدل عليه وإنزال النصوص إلى غير مواضعها لعدم معرفة قواعد الاستدلال من حيث العموم والخصوص والاطلاق والتقيد والصالح والفاسد وغير ذلك.

ثالثا: تلقي العلم عن غير العلماء وأخذه من المفكرين والمثقفين وسوء الأدب والتعامل مع العلماء الراسخين ووصفهم بالانغلاق والتقوقع وعدم فهم الواقع.

رابعا: الخوص في المسائل الكبرى والقضايا الهامة مما له علاقة بمصالح الأمة ومصيرها والتي لا ينظر فيها إلا الأكابر مثل البيعة والخروج وتكفير المعين والأنظمة.

خامسا: إهمال جانب المناصحة لولاة الأمر وترك الدعاء لهم واللمز والاستهزاء بمن ينهج منهج أهل السنة والجماعة في الدعاء لولاة الأمر ووصفه بالمداهنة واتهامه بأنه من علماء السلطة، بل تجاوز الأمر إلى الدعاء على الولاة وشحن قلوب العوام ضدهم والتحريض عليهم مما حمل بعض الحكام على محاربتهم ومحاربة الدعوة معهم.

وهذه العوائق لا تمثل ظواهر عامة وإنما توجد عند القليل وليست في بلد واحد أو جماعة معينة ولكنها قد تكثر في جماعة وتقل في أخرى، وقد توجد في بلد وتنعدم في آخر.

* فضيلة الشيخ، هناك من الدعاة من يحبذ الدعوة الفردية وهناك من يحبذ الدعوة الجماعية باعتبارها تصل إلى الكثير من الناس ونفعها متعدي فهل يمكن الجمع بين هذين النوعين من الدعوة، وكيف يكون هذا الجمع؟

- الداعية الناجح هو الذي يستغل كل فرصة ويسلك كل سبيل من أجل إيصال دعوته سواء على مستوى الأفراد والاتصال الشخصي أو على مستوى الجماعة والاتصال العام. ولا شك أن هناك فروقا فردية بين الدعاة، فليس كل داعية يستطيع أن يقوم بهذا العمل، ولكن قد يفتح على البعض في الدعوة الجماعية وإلقاء المحاضرات والدروس ولا يفتح عليه في اللقاء والاتصال الفردي وبالعكس، ومن استطاع أن يتقن جميع الوسائل فذلك من فضل الله عليه.

 * تتعدد المسؤوليات المناطة بالداعية إلى الله كمسؤولية البيت والزوجة والأبناء وطلب العلم والتعليم والدعوة إلى الله تعالى، فهل برنامج مناسب يراه فضيلتكم بحكم خبرتكم الطويلة في الدعوة إلى الله تعالى؟

- الحقوق والواجبات التي يطالب بها الداعية كثيرة ولا بد من الترتيب والتنسيق والتوازن والاعتدال وإعطاء كل ذي حق حقه، ولا ينبغي أن يغلب جانبا على جانب، بل عليه أن يقسم أوقاته بين واجباته الدعوية والتزاماته المعيشية ومسؤولياته الأسرية وأن يلتزم بذلك.

* فضيلة الشيخ، لا يخفى عليكم حفظكم الله الحاجة للدعوة  من خلال القدوة، فكيف يكون الداعي إلى الله تعالى قدوة للآخرين وداعيا لهم من خلال تعامله؟

- كانت الدعوة هي عمل الأنبياء والرسل، ولأهميتها كان لا بد من  جملة من الصفات التي يجب أن يتصف بها الداعية حتى يكون قادرا على حمل الأمانة، ومن أهم هذه الصفات:

أولا: الإخلاص والتجرد وهذا وإن كان مطلوبا في كل عمل إلا أنه بالنسبة للداعية أكثر تأكيدا لأن الأبصار تتجه إليه والأنظار تسلط عليه وربما خالطه عجب أو رغبة في الثناء أو المدح، لذا كان من الضرورات ليتجرد الداعية من حظوظ النفس ويكون عمله خالصا لوجه الله وهذا هو عنوان تفوقه وسر توفيقه ودليل نجاحه.

ثانيا: العِلم والعمل، إذ كيف يدعو الناس إلى شيء يجهله وكيف يمكن أن يقوم في هداية الناس إذا كان جاهلا لا يثق الناس في عمله. أما العمل بما يدعو الناس إليه فهذا من أولويات ما ينبغي أن يدركه الداعية إذ أن تأثير الأفعال أشد وأعظم من تأثير الأقوال بل إن مخالفة الأفعال للأقوال ضرب من الكذب والخداع بل من أشد أنواع المقت يقول الله عز جل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } (2-3) سورة الصف .

ثالثا: الصبر وعدم استعجال النتائج لأن الدعوة إلى الله طريق محفوفة بالمكاره والمتاعب والداعية معرض للإيذاء والاستهزاء والسخرية. فإذا لم يقابل تلك الأمور بقدر كبير من الصبر والتحمل والاحتساب فإنه سيفقد توازنه ولن يصل إلى غايته.

رابعا: الحلم والتسامح والعفو والتواضع وهذه أخلاق كريمة وصفات نبيلة لا بد للداعية من الاتصاف بها لما لذلك من أثر عظيم في نجاح الداعية.

خامسا: الورع والعفة إذ ينبغي على الداعية أن يكون عزيزا ليستعلي بإيمانه على سفاسف الأمور وحطام الدنيا، وعفة الداعية يجب أن ترافقه في جميع ظروفه ومختلف أحواله غنيا كان أو فقيرا، فهو لا يذل نفسه من أجل طمع مادي أو عرض دنيوي.

سادسا: الغيرة على حرمات الله، لأن الداعية وهو يقوم بدوره الريادي في هداية القلوب لا بد أن يواجه الكثير من المخالفات والمنكرات وعليه أن يواجهها بالإنكار والتغيير ولكن وفق الضوابط الشرعية التي تضمنتها النصوص المتعلقة بهذا الأمر والتي تحقق المصالح ولا يترتب عليها أي مفسدة.

..............................................

مجلة الدعوة(حوار: د. نهار العتيبي )

مواد ذات صلة



تصويت

قالوا: إذا أردت أن تسقط حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة والتعليم وإسقاط القدوات وتشويهها، فما هي بنظرك أكثر تلك الوسائل أثرا ؟

  • إهمال التعليم
  • التفكك الأسري
  • تشويه الرموز والقدوات
  • لا أدري

الأكثر مشاهدة اليوم

حوارات دعوية وإعلامية

حوار حول الشات واستغلاله في الدعوة

ولد هذا الشاب في بوابة الحرمين الشريفين وعروس البحر الأحمر جدة، بدأ ولأنه شغوفاً بالتكنولوجيا فمنذ أن كان...المزيد