الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حوار مع د.عبد الوهاب المسيري

حوار مع د.عبد الوهاب المسيري
5355 0 689

 إسرائيل أوقعت اليهود في فخ جغرافي وورطة تاريخية

 د.عبد الوهاب المسيري هو الباحث والمفكر المصري المعروف صاحب موسوعة «اليهود واليهودية والصهيونية» زار دمشق وألقى محاضرة في مكتبة الأسد تحدث فيها عن رؤيته لآفاق الصهيونية ومستقبل إسرائيل في ضوء المتغيرات التي يشهدها العالمان العربي والإسلامي. كما طرح وجهة نظر بشأن الحركة الصهيونية وخلص إلى أنها إلى زوال.

التقت به جريدة الوطن القطرية وأجرت معه الحوار التالي:

* من خلال قراءتك للحركة الصهيونية، نرى أن اهتمامك بالدرجة الأولى انصبّ حول علاقة الديموغرافية اليهودية بظهور الصهيونية كحركة استيطانية. كيف قرأت هذه العلاقة؟ وكيف تجسدت من وجهة نظرك؟

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن الطفرة السكانية التي حدثت بين يهود شرق أوروبا مع تعثُر عملية التحديث مع هؤلاء اليهود، أدى إلى تفاقم المسألة اليهودية، لاسيما وأن روسيا القيصرية بدأت عملية التحديث بخطوات سريعة لم تسمح لأعضاء الجماعات اليهودية المرتبطين بالاقتصاد القديم والحرف التقليدية ووظائف لم يعد المجتمع في حاجة لها مثل التجارة والربا، لم تسمح لهم بمواكبة التطور، وبالتالي أصبحوا، بشكل أو بآخر، فائضاً بشرياً وجماعة وظيفية بلا وظيفة. فبدأوا يتدفقون على بلدان وسط وغرب أوروبا، بما في ذلك انجلترا التي بلغ عددهم فيها عشية وعد بلفور بين 250 ألفاً و300 ألف نصفهم من يهود اليديشية.

وقد أدى تدفق يهود اليديشية إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة بحثاً عن مورد للرزق إلى شعور الجماهير بأن المهاجرين اليهود يهددون الأمن الاجتماعي. وقد حاولت الدول الغربية تحويل مسار الهجرة إلى أماكن غير أوروبا، فكان هناك مشروع الاستيطان في الأرجنتين ومشاريع أخرى مماثلة، لكن استقر الأمر على فلسطين بسبب أهميتها الاستراتيجية حيث يتم تحويل الجماعات اليهودية التي أصبحت بلا وظيفة إلى جماعة وظيفية عسكرية تحمي المصالح الغربية في المنطقة. وفي هذا الإطار، طُرحت الفكرة الصهيونية، فوضع هرتزل نصب عينيه الوصول إلى السلطات الحاكمة في إنجلترا لعرض المشروع الصهيوني.. وبالفعل نجح أحد أصدقائه في دعوته للمثول أمام اللجنة الملكية عام 1902، حيث قدَّم حلاً صهيونياً مفاده تحويل الهجرة من إنجلترا إلى أية بقعة أخرى خارج أوروبا. وانطلاقاً من هذا، عُرض مشروع شرق أفريقيا أولاً، ثم صدر وعد بلفور الذي جاء انتصاراً للمنظمة الصهيونية.

*إلى أي مدى يؤكد هذا صحة ادعاءات الصهيونية، بأنها حركة لتحرير يهود العالم، وصهرهم في بوتقة واحدة للحفاظ على قوميتهم اليهودية؟

هنا، لا بد من الإشارة إلى أن سمة خاصة انفرد بها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي وهي تحولهم إلى جماعات وظيفية تعمل بالتجارة والربا، ومن سمات هذه الجماعات الوظيفية أنها تشعر بالغربة في مجتمع الأغلبية، ورغم أنها تستمد خطابها الحضاري من هذا المجتمع، فإنها تتصور أنها ذات هوية مستقلة وأن لها وطنا آخر (صهيون)، فتنعزل عن هذا المجتمع، وتبدأ بالإحساس بأنها «أقلية إثنية» مع أنها في واقع الأمر «جماعة وظيفية»، مما خلق نوعاً من الإبهام. ولكن حسم هذا الإبهام مع عمليات التحديث والاستنارة فقامت قيادات الجماعات اليهودية، إما بإلغاء الصلوات ذات الطابع «القومي» (اليهودي)، أو تفسيرها بطريقة يطهرها من مضمونها العرقي أو الإثني، وذلك من أجل تعميق ولاء اليهودي للوطن الذي يعيش فيه وقصر انتمائه اليهودي على العقيدة اليهودية.

ولكن الصهاينة، ممثلي العقلية الغيتوية، وقفوا ضد التيار الإصلاحي وراحوا يعملون على تحويل «الإحساس الديني» بالانتماء إلى جماعة دينية واحدة والارتباط العاطفي بالأراضي المقدسة اليهودية، إلى «شعور قومي» و«برنامج سياسي». وقالوا إن اليهود شعب واحد بالمعنى العرقي أو الإثني، وإن لهم قوميتهم المستقلة. و لكن الواقع التاريخي مختلف تمام الاختلاف عن هذا التصور، فاليهود جماعات متناثرة تستمد كل جماعة خطابها الحضاري من المجتمع الذي تعيش فيه. فيهود أميركا أميركيون يهود، ويهود المغرب مغاربة يهود. وأكبر دليل على أن اليهود ليسوا شعباً أنه بعد إنشاء الدولة الصهيونية التي تدعي أنها دولة الشعب اليهودي بأسره، لاتزال غالبية هذا الشعب مستقرة في أوطانها الحقيقية، وأنه بعد أن هاجر أعضاء هذا الشعب اليهودي الوهمي إلى «وطنهم القومي» اكتشفوا أنهم ليسوا يهوداً بشكل عام وإنما إشكناز وسفارديم وفلاشا، وغيرها من الإثنيات، بل إنهم في الحقيقة لم يتوصلوا بعد لتعريف من هو اليهودي، وأن الدولة الصهيونية لم تحررهم من الأسر وإنما أوقعتهم في فخ جغرافي وورطة تاريخية!

* إذا كانت الحركة الصهيونية قد وقعت في فخ جغرافي، وورطة تاريخية. فكيف يمكن أن نفسر مصطلح الصهيونية العالمية الذي أطلقته الحركة الصهيونية، وساندتها الولايات المتحدة في ترسيخه؟

لو دققنا في ترجمة مصطلح «الصهيونية العالمية»، وهو ترجمة حرفية «دقيقة» للمصطلح الإنجليزي «World Zionism» فمن الواضح أن الترجمة لم تدرك أن المفهوم الكامن وراء المصطلح نابع من أيديولوجية شاملة، لا هي موضوعية ولا محايدة، وإنما تعبر عن آمال وطموحات ومشاريع أصحابها. فالصهيونية تدَّعي أنها تعبير عن «القومية اليهودية»، أي أنها قومية اليهود، كل اليهود أينما كانوا. وحيث إن اليهود موجودون في كل بقاع الأرض: في فرنسا والهند والصين وتنزانيا، فهي «عالمية». أي أن المصطلح يحاول إسباغ قدر من الشرعية أو العدالة على المخطط الصهيوني المتمثل في اغتصاب الأرض العربية وفرض الهيمنة على المنطقة.

ولكن، لو دققنا النظر لاكتشفنا أن المصطلح الذي اختاره الصهاينة لمنظمتهم (المنظمة الصهيونية العالمية) يعكس هذا التحيز. فالصهيونية ليست ظاهرة عالمية، لأنها لا توجد في افريقيا (باستثناء الجيب الاستيطاني السابق في جنوب إفريقيا)، ولا في آسيا (باستثناء الجيب الصهيوني في فلسطين)، ولا في أميركا اللاتينية (باستثناء بيونس أيرس في الأرجنتين وربما ريو دي جانيرو في البرازيل). ويرجع هذا لسببٍ بسيطٍ، وهو أن الغالبية الساحقة من يهود العالم (أكثر من 90 بالمائة) تركزت في العالم الغربي منذ القرن التاسع عشر، وازدادت في القرن العشرين. فلا يوجد في الصين سوى عشرة يهود، ولا يوجد في الهند سوى بضع مئات. ومن ثم، فالصهيونية ظاهرة غربية تماماً وليست عالمية.

وينطبق القول نفسه على كلمة «ستلمنت Settlement»، التي ترجمناها بحرفية مفرطة بكلمة «مستوطنة»، وهي مشتقة من «التوطين» و«الوطن»، مع أن المفروض أن نترجمها بعبارة «مستعمرات استيطانية». ويزداد الأمر سوءاً وببغائية حين نتحدث عن «مستوطنات غير شرعية»، وهي ترجمة لعبارة (Illegal Settlements) التي تُستخدم في الخطاب السياسي الإسرائيلي للإشارة إلى المستعمرات التي تُشيَّد دون تصريح من الدولة الصهيونية، وكأن هناك مستعمرات أخرى «شرعية»، وكأن هذه الدولة هي صاحبة الحق المطلق فيها، وكأنها لم تغتصب كل هذه الأرض التي تُقام عليها المستعمرات من العرب أصحابها الأصليين.

* تشير الكثير من الدراسات الغربية، الى أن إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين، هي بمنزلة تعويض لليهود عن الهولوكست. كيف استطاع الصهاينة توظيف هذه الأسطورة لإقامة دولتهم؟

إن إنكار المحرقة هو رد فعل بدائي وبسيط. لقد قدّم الصهاينة الهولوكوست باعتبارها حادثة فريدة غير زمنية مطلقة، وقد فعلوا ذلك بأن نزعوها من سياقها التاريخي كي ننظر إليها من الداخل فقط، من منظور غربي وصهيوني حتى يمكنهم توظيفها. وهذا هو جوهر ما سميته الحقائق الكاذبة. ولذا فالطريقة العلمية الإنسانية الوحيدة أن ننظر لهذه الظاهرة من الداخل ومن الخارج بالوقت نفسه، وذلك عن طريق وضعها في كل السياقات الممكنة. وقد وضع (الفريد روزنبرغ)، الزعيم النازي، مفتاح الفهم بين أيدينا فوضع الفكر النازي في سياقه التاريخي الصحيح. ففي أثناء محاكمته في (نورمبرغ) صرّح بأن نظرية التفاوت بين الأعراق هي جزء لا يتجزأ من الفكر الغربي. فأشار إلى أنه تعرف لأول مرة على مصطلح «الإنسان الأعلى» في كتاب عن الاستعماري الإنجليزي (كتشنر)، وأن مصطلح «الجنس المتفوق» أو «الجنس السيد» مأخوذ من كتابات العالم الأميركي الأنثروبولوجي (ماديسون جرانت) والعالم الفرنسي (لابوج)، وأن رؤيته العرقية هي نتيجة أربعمائة عام من البحوث العلمية الغربية. ومن المعروف تاريخياً أن هتلر تشرب كثيراً من آرائه من الدراسات الإمبريالية/ العنصرية التي انتشرت في أوروبا آنذاك كالميكروب لتبرير المشروع الإمبريالي الغربي. والرؤية الصهيونية الخاصة بالشعب اليهودي باعتباره شعباً مختاراً أو شعباً له حقوق مطلقة تنبع من هذه الرؤية الغربية.

* الخطاب العربي بكل أطيافه الأيديولوجية ينكر الهولوكست، من منظورك الفكري، كيف تقوّم ذلك؟

بداية، أرى أنه من المهم أن نطوّر خطاباً عربياً ـ إسلامياً جديداً، بخصوص كل من الهولوكست والصراع العربي - الإسرائيلي.لقد قام الغرب بأيقنة الهولوكست، أي لقد تمَّ تحويلها إلى شيء فريد، فأصبحت محل تأليه غير قابل للنقاش. ونحن نتورط في نوع من الأيقنة المضادة، أو الكفر المضاد بها من دون تثبت تاريخي.. فإنكار الهولوكست ليس أمراً إنسانياً أو علمياً. يجب أن تكون استراتيجيتنا في التعامل مع الظاهرة اليهودية أو الصهيونية أو الإسرائيلية، أو أي ظاهرة إنسانية أخرى، هي استرجاع البعد التاريخي والإنساني.

* كيف تنظر إلى مستقبل المشروع الصهيوني في المنطقة العربية؟

كل الأنظمة السياسية في العالم تواجه إشكالية الشرعية السياسية فالنظم العربية على سبيل المثال تواجه إشكالية الانتقال من نظم شمولية إلى نظم ديمقراطية منفتحة، وهذه إشكالية خاصة بالشرعية السياسية ولكنها لا تواجه شرعية الوجود. أما الكيانات الاستيطانية فتواجه مشكلة الشرعية السياسية تجاه المستوطنين الصهاينة.. أما اتجاه الفلسطينيين فهي تواجه شرعية أخرى وهي شرعية الوجود، أي حقهم ومقدرتهم على البقاء في الأرض التي احتلوها. والانتفاضة تطرح هذا وبحدة، وهي إحدى إسهامات الانتفاضة الكبرى.

استولى الصهاينة على الأرض الفلسطينية وطردوا أهلها، ولكنهم لسوء حظهم لم يبيدوهم، والتاريخ أثبت أنه لا يمكن لأي جيب استيطاني إحلالي أن يستمر دون إبادة السكان الأصليين، أي أن مشكلة شرعية الوجود لاتزال مطروحة دون حل، إذ تقف اللاءات الصهيونية الأربع (لا فك للمستوطنات ـ ولا انسحاب لحدود 67 ـ لا تقسيم للقدس ـ لا عودة للفلسطينيين) حائلا دون حلها وتتصاعد الأزمة يوماً بعد يوم ويدخل الجميع في طريق مسدود لا يحسمه سوى الحوار المسلح. ويتصاعد اليأس الإسرائيلي الذي اتضح في المرحلة الشارونية، أي محاولة حسم الصراع عن طريق البطش وهم يعلمون مسبقاً أنه لم يحدث في التاريخ أن هزمت حركة تحرير شعبية. بدليل تصرفاتهم العبثية التي لم تضف لهم إلا المزيد من عدم الأمان والمزيد من العنف لذا نجد أن موضوع نهاية إسرائيل مطروح على الوجدان الصهيوني منذ عام 1948، أي منذ البداية. وهو ما أسميه «هاجس النهاية».

ـــــــــ

الوطن القطرية 7/5/2007م بتصرف.

مواد ذات صلة



تصويت

قالوا: إذا أردت أن تسقط حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة والتعليم وإسقاط القدوات وتشويهها، فما هي بنظرك أكثر تلك الوسائل أثرا ؟

  • إهمال التعليم
  • التفكك الأسري
  • تشويه الرموز والقدوات
  • لا أدري