الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حوار مع الشيخ الحافظ محمد فخر الهدى..

5118 0 1181

 يمثل الشيخ الحافظ حافظ محمد فخر الهدى وأسرته حالة فريدة في تاريخ مسابقة الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني لحفظ القرآن الكريم التي اختتمت فعاليات دورتها السابعة عشرة قبل أيام.
حيث شارك فيها منذ انطلاقتها الأولى وعلى إثره شارك أبناؤه وبناته فيها، فاز بجوائز المركز الأول أكثر من مرة، وفاز أبناؤه وبناته بجوائز في مختلف المراكز، ومنذ الدورة الثانية عشرة من المسابقة لم تخل المراكز الثلاثة الأولى من واحد من أسرة الشيخ الحافظ ، وكانت ابنته سلمى أكثر الفائزات بالمركز الأول في الحفظ الكامل، كما كانت أصغر من أتموا حفظ القرآن الكريم من أبناء وبنات الشيخ، حيث احتفل الشيخ بختمها القرآن في رحاب الحرم المكي ولم يكن عمرها قد جاوز خمس سنوات وثمانية أشهر.

تتكون اسرة الشيخ الحافظ من 11 فردا، ثمانية منهم يحفظون القرآن الكريم كاملا ، ليس برواية واحدة بل بروايات متعددة.

مسابقة الشيخ جاسم شهدت هذا العام فوز الشيخ الحافظ فخر الهدى بالمركز الأول وفوز ابنتيه سلمى وساجدة بالمركزين الثاني والثالث، كما شهدت فوز ابنيه محمد وجنيد بالمركزين السادس والثامن.

وللتعرف على رحلته هو وأسرته مع القرآن الكريم، كان معه الحوار التالي:

 *كيف كانت بدايتك مع القرآن الكريم؟

بدأت حفظ القرآن الكريم في السابعة عشرة من عمري، وهناك حادث معين جعلني أحب حفظ القرآن، وهو أنني كنت صغيرا وسمعت شيخا يقرأ القرآن بصوت شجي، وكنت أتمنى أن أكون مثله، وقررت التفرغ لحفظ القرآن الكريم، وخلال سنتين ولله الحمد أتممت حفظ القرآن، ثم اشتغلت بتحفيظ القرآن الكريم في بلدي حتى أذن الله تعالى لي بالانتقال إلى هذا البلد الطيب قطر في شهر أغسطس من عام 1982، وبعد قدومي إلى قطر بسنتين التحقت بإدارة المساجد إماما لأحد المساجد ومنذ ذلك الحين لم تنقطع رحلتي مع القرآن يوما واحدا ولله الحمد، حفظا وتحفيظا وإدارة وإشرافا حيث أعمل حاليا مشرفا على ستة من مراكز تحفظ القرآن الكريم في الدوحة وما حولها.

* شيخنا هل تذكر الشيخ الذي حفظت على يديه؟

- نعم أذكره جيدا، وهو الشيخ الحافظ محمد إخلاص الرحمن رحمه الله وهو ابن عمتي، وقد حفظت معه 18 جزءا ثم انتقلت إلى شيخ آخر وهو الشيخ عبدالرقيب وهو من تلاميذ والدي رحمه الله وسميّه.

* هل كان والدك رحمه الله يحفظ القرآن؟

- والدي كان من مشايخ القراء لكنه لم يكن يحفظ جميع القرآن بل معظمه، وقد حفظ على شيخه بشير الدين الذي حفظ القرآن على يد حفاظ من مكة المكرمة، حيث أقام في الحجاز ثلاث سنوات يتعلم القرآن وبعد عودته إلى البلاد قرأ عليه والدي، وأنا بعد أن ختمت القرآن حفظا استمعت إلى صديق لي يقرأ القرآن وقارنت بين قراءتي للقرآن وقراءته فوجدته أفضل مني أداءً ، فذهبت إلى والدي وطلبت منه أن يعلمني القرآن من جديد، لكنه كان مشغولا جدا بإدارة مدرسة أسسها في بلدتنا، لكنني أصررت عليه وقلت له إنني أحق بأن أتعلم على يديك لأنني أتقنت الحفظ دون أن أتقن الأداء حتى الآن، فاقترح عليّ أن يسلمني إلى شيخه الشيخ بشير الدين رحمه الله، فذهبت إليه وجلست عنده فترة من الزمن حتى حصلت على إجازة في رواية حفص عن عاصم، وبعدها عملت مدرسا للقرآن الكريم في إحدى المدارس حتى أتيت إلى قطر.

* ما هو أول عمل توليته في قطر؟

- عندما أتيت إلى قطر التحقت بإحدى الشركات الخاصة، لكنني ظللت متمسكا بالكنز الذي وهبنيه ربي عز وجل، وكنت مداوما على حفظه ومراجعته، وكان كفيلي رجلا فاضلا وهو صالح محمد الشرقي الذي أدين له بالفضل بعد الله سبحانه وتعالى في التحاقي بوزارة الأوقاف، إذ أنه لما علم أنني أحفظ القرآن الكريم وافق لي مباشرة على الانتقال إلى إدارة المساجد بل أعطاني كتاب تزكية لأحد المسؤولين في الإدارة حينها لقبولي في إدارة المساجد.


* شيخنا، يقال في مجال حفظ القرآن "كل شيخ وله طريقته" فكيف حفظت القرآن؟
- الحفظ لا يختلف من شخص لآخر، وإنما الاختلاف فقط في المدة الزمنية التي تستغرقها عملية الحفظ من شخص إلى آخر، فقد ختمت أنا القرآن في سنتين رغم انشغالي خلال هاتين السنتين ببعض الأمور وإلا لكان من الممكن أن أقلص فترة الحفظ إلى سنة أو سنة وبعض الشهور، والطريقة العامة هي أن يقرأ المتعلم على يد شيخه الذي يتولى متابعته ورده في أي خطأ يقع فيه حتى يكون من المتقنين.

* لكن كم ساعة كنت تخصصها من يومك لحفظ القرآن الكريم؟

- نظام حفظ القرآن في بنجلاديش يختلف عما هو معمول به في جميع البلدان، فعلى مستوى العالم نجد أن 90 % من طلاب مراكز تحفيظ القرآن الكريم هم من طلاب المدارس يأتون إلى مراكزهم في الفترة المسائية يحفظون ساعة أو ساعتين، لكن عندنا الذي يريد أن يحفظ القرآن يتفرغ له ويتغرب عن بلده ويترك بيته وأهله في أي سن تكون، ويلتحق بشيخ في منطقة أخرى، ولأن بنجلاديش بلد فقير فإن الحكومة لا تدعم مراكز تحفيظ القرآن إلا بعض المدارس القرآنية في العاصمة أو غيرها من المدن الرئيسية، ومن هنا فإن كل المدارس أهلية تعتمد على تبرعات أهل المنطقة، وتتكفل كل أسرة من أهل المنطقة بطالب من طلاب المدرسة القرآنية ويصبح هذا الطالب كأحد أفراد أسرتهم يبيت عندهم ويأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون، ويحفظ القرآن على يد شيخه، ولا يمكن أن يكلفوه شيئا من مهام البيت لأنه متفرغ للقرآن اللهم إلا إذا كان لديه علم فيستطيع أن يدرس أحد أبنائهم أو يدرسهم القرآن.

* هل يمكن أن نعزو كثرة الحفاظ في بنجلاديش للنظام المتبع في التحفيظ؟

- هذا أكيد، لأن الطالب عندما يكون مغتربا عن بيته يكون كل وقته للقرآن، ولا أحد يكلفه بأي شيء، وهذا النظام موجود حتى الآن، بل إننا لا نجد حيّاً أو منطقة تخلو من مدرسة لتحفيظ القرآن، وجميعها قائمة في المساجد أو ملحقة بها وكلها قائمة على تبرعات أهل المنطقة التي هي قليلة جدا، حيث تعتمد معظم النسوة على توفير ما يجدن به على المدرسة من قوت أهلهن، فعندما تقوم بإعداد وجبة من الأرز تقوم بأخذ حفنة وتعزلها في وعاء وهكذا في اليوم الذي يليه والذي يليه وفي آخر الشهر تقوم بتقديم ما جمعت للشيخ المشرف على المدرسة وهكذا يفعل جميع أهل القرية.

* كيف كانت البداية مع إدارة المساجد؟

- بدأت إماما لمسجد عبدالهادي بن زابن رحمه الله، في شعبية خليفة وكنت أدرس بعض الشباب دون أن تكون هناك مراكز تحفيظ، وبعد افتتاح المراكز كنت ولله الحمد من أول المدرسين بها، حيث رشحني شيخي الشيخ أسامة عبدالوهاب الذي يعد من المؤسسين للمراكز القرآنية في الدوحة وطلب مني أن أقوم بالتدريس.

* كيف كانت البداية في مسيرة التحفيظ منذ بداياتها إلى أن نصل إلى ما هو موجود حاليا؟
- إذا عدنا إلى البدايات فإنني عندما التحقت بإدارة المساجد لم أكن أعلم أن هناك إماما يحفظ القرآن كاملا إلا القلة القليلة، لكن الآن وبفضل جهود وزارة الأوقاف والقائمين عليها نجد مئات من الشباب القطريين والشابات القطريات يحفظون كتاب الله، وأكثر من 70 مركزا لتحفيظ القرآن للأولاد والعديد من الدور النسائية، وأهل هذه البلاد ولله الحمد مهتمون بالدعوة وتحفيظ القرآن غاية الاهتمام، والكثير من الطلاب الذي قرأوا عندنا أصبحوا أئمة وقراء ومشايخ كبار، وهذا الاهتمام أحدث تغيرا كبيرا في مسيرة تحفيظ القرآن الكريم، وأنا أعتبر كل ما تعيشه البلاد من نهضة ونماء إنما هو بسبب اهتمامها بالقرآن وأهله الذين هم أهل الله وخاصته.

* كيف أثرت مسابقة الشيخ جاسم بن محمد على مسيرة تحفيظ القرآن في قطر؟

- طبعا المسابقة أوجدت تنافسا كبيرا في حفظ القرآن الكريم وإتقان تلاوته، لأن النفس البشرية جبلت على أنها لا تتحرك بجد إلا إذا وجد الحافز والدافع لهذا التحرك، بل إنها أثرت مسيرة التحفيظ بروايات غير رواية حفص التي كان يحفظ القرآن بها غالبية أهل البلاد، ولم أكن أنا أحفظ القرآن إلا برواية حفص، وفي الدورة المكثفة الثانية التي أقامتها وزارة الأوقاف كنت مشرفا تعليميا، وكان ابني جنيد يحفظ على يد الشيخ محمد الوائلي، فلما وجده مجيدا لرواية حفص اقترح عليه أن يعطيه رواية أخرى، وبدأ معه برواية ورش، ومن خلال متابعتي للشيخ وهو يعلم ابني رواية ورش أحببت تعلم الروايات وطلبت من الشيخ أن يعلمني فبدأت معه برواية ورش وكنت أجلس إليه في وقت فراغه، لكن لأن رواية ورش تحتاج إلى مدود كثيرة فرأى الشيخ أنها لا تناسبني وعرض علي ّ أن أدرس رواية قالون ولما رأى الشيخ حرصي على تعلم الروايات عرض علي تعلم رواية البزي عن ابن كثير فقرأت عليه الروايتين، وبعد ذلك قرأت على الشيخ أحمد قاسم حاج وهو صومالي الجنسية قرأت عليه رواية شعبة.

ومن هنا فإنني أؤكد أن للمسابقة فضلا كبيرا في خلق جيل قرآني في دولة قطر سواء من المواطنين أو من المقيمين، كما أنها ساهمت في نشر روايات القرآن الكريم التي لم يكن أحد يسمع بها من قبل فضلا عن وجود من يتقنها ويحفظ القرآن الكريم بها بل ويعلمها غيره ممن أرادوا تعلمها.

* كم عدد حفاظ القرآن في أسرتك ومتى تبدأ مع أطفالك مسيرة حفظ القرآن؟

- أسرتي ولله الحمد والمنة تتكون من 11 فردا، يحفظ منها القرآن كاملا 8 أفراد، أنا وإحدى زوجاتيّ وستة من أبنائي وبناتي، ومن لم يختم لصغر سنه فهو في الطريق إلى ختم القرآن إن شاء الله، فابني جابر 7 سنوات يحفظ 16 جزءا والأصغر منه خالد يحفظ 13 جزءا وزوجتي التي لم تختم قاربت على أن تكمل حفظ القرآن إن شاء الله.

أما عن بداية مسيرتي في تحفيظ أبنائي وبناتي القرآن، فأنا أبدأ معهم من عمر الرابعة، وإن كانوا هم يبدأون من قبل من خلال الجو القرآني الذي يعيشون فيه، فنحن ما بين شخص يحفظ أو مستظهر لما حفظ من القرآن الكريم.

* شيخنا بعض الدراسات الحديثة أظهرت أن الطفل يتذكر ما سمعه خلال المرحلة الجنينية وهو في بطن أمه، وبعد ولادته وبدء مرحلة الإدراك، هل حدث هذا مع أي من أبنائك، وما أثره في حفظ القرآن الكريم؟

- أنا أؤيد هذه الدراسات بقوة، ولديّ دليل على صحتها، فابنتي سلمى، تعد أسرع أبنائي في حفظ القرآن الكريم، إذ احتفلنا بختمها القرآن في رحاب الحرم المكي وكان عمرها لم يتجاوز خمس سنوات وثمانية أشهر، وكانت أسرع أبنائي حفظا لأن زوجتي وهي حامل فيها كانت تحفظ ابني محمد القرآن وكانت تراجع له الساعات الطوال، وأظن أن هذه الدراسات تصدق بصورة كبيرة مع حالة ابنتي سلمى.

* وهل من كلمة أخيرة؟ ولمن توجهها؟

- أوجهها لأهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، بأن يتقوا الله تعالى في القرآن الكريم الذي أكرمهم الله تعالى بحفظه وأن يعملوا به وأن يتخلقوا بأخلاق القرآن حتى يكون الواحد منهم قرآنا يمشي على الأرض، كما كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، كما أوجه شكري وثنائي على القائمين على مسابقة الشيخ جاسم بن محمد لحفظ القرآن الكريم، خصوصا ووزارة الأوقاف عموما على دعمها اللامحدود لكل من أراد حفظ كتاب الله تعالى وتسهيل سبل الحفظ من خلال المراكز والدور والمسابقات وطباعة المصحف وتوزيعه فجزاهم الله خير الجزاء، كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر للجنة التحكيم في المسابقة التي تضم علماء أجلاء كبارا في القدر والمكانة من علماء الأزهر الشريف الذين يتمتعون بنزاهة قل نظيرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشرق 10/7/2010م، بتصرف يسير.

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق