الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حرب .. ذات أوصاف متعددة ومخاتلة !

204 0 35

تعددت الأوصاف والموصوف واحد، إنها الحرب! لكن كثرة الأوصاف "التبريرية" ذات الطابع القيمي أو القانوني تعكس في الوقت نفسه ضعف الحجة، وعدم قناعة صاحب الأوصاف نفسه بشرعية "الحرب"، فضلاً عن أنه يعكس عدم قناعة العالم بها، الأمر الذي دفعه إلى أن يحاول عبثًا تحصيل "القبول" بها تحت أوصاف ومبررات متعددة. دعونا نتأمل هذه الأوصاف للحرب القائمة الآن.
وراء هذه المغامرة/الحرب تقف نظريتان: حرب "الضربة الاستباقية" التي ظهرت بعد 11 أيلول (سبتمبر)، و"الحرب العادلة" التي، على قِدمها، انتعشت بعد 11 أيلول.
الضربة الاستباقية:
حين تدخلت فرنسا، مطالع هذا العام، في شاطىء العاج، لم تحصل على تفويض الأمم المتحدة. وحين تدخلت الولايات المتحدة قبلها في البوسنة وكوسوفو لم تحصل عليه.
مع هذا فالفارق، يرى حازم صاغية أن هذه التدخلات التي لم تكن مؤسسة على نظرية الضربة الاستباقية تعلن، من جهة، دخول الأمم المتحدة طور الشيخوخة والعجز. ومن جهة أخرى، تقوم بعمل استثنائي إلا أنه ليس استبدالياً. ويرى أن الضربة الاستباقية تعطي الحرب على العراق طابعاً آخر: "إنها تعبير عن نهج متماسك ومتواصل يفضي إلى إحلال الولايات المتحدة حيث حلّت الأمم المتحدة". وهنا يمكن تذكّر تصريحات دول محور الرفض "فرنسا وروسيا وألمانيا" عن أهمية العودة لمجلس الأمن.

الحرب العادلة:
الفكرة لها جذورها في جميع الأديان. توما الأكويني، مثلاً، دافع عنها. وهي من مرتكزات الأيديولوجيات النضالية جميعاً: اليساري منها واليميني، وطبعاً القومي. حتى الليبرالية الغربية اخترقتها الحرب العادلة.
الحرب العالمية الثانية غالباً ما تُقدّم بوصفها المثل الكلاسيكي الأنصع عن الحرب العادلة: هل يعقل أن لا يكون عادلاً التصدي للفاشية؟
يتابع حازم صاغية: لا يمكن أن يكون ثمة ما هو "حرب" و"عادل" في وقت واحد. هناك حرب اضطرارية: هذا يصح في الحرب الثانية وفي غيرها من حروب كثيرة. ما الفارق؟ قد يُضطر من لا يجد طعاماً لنفسه ولعائلته أن يسرق. هذه سرقة اضطرارية ومفهومة. لكن هذا لا يجعل السرقة جيدة. إنه تناقض في التعبير. هذا ما لا علاقة له بالنزعة السلمية المطلقة أو النزعة الأخلاقية الطوباوية. الا أنه محكوم بإبقاء القانون فوق كل اعتبار آخر. فحين تكون الحرب عادلة والسرقة جيدة والقتل نبيلاً، يستحيل أن تجر إلى المحكمة محارباً أو سارقاً أو قاتلاً من هذا النوع. هنا يتم إسباغ إطلاقية تصغر قياساً بها نسبية القانون.

حرب من أجل الديمقراطية:
واللقاء بين النظريتين الإطلاقيتين، الضربة الاستباقية والحرب العادلة، يفعل العجائب الآن. إنه -بحسب صاغية- "يلد نظرية ثالثة هي: تعميم الديموقراطية وإسقاطها من أعلى. لكن هذا لا يلغي أن هجوم هذه النظريات علينا، وهي مدججة بالسلاح، تواجهه نظرياتنا التي تفوقها تخلفاً وتضارعها أذى.
صحيح أن الديموقراطية لا تهبط بالقوة من أعلى، لكن الصحيح أيضاً أن الديموقراطية لا تطلع عندنا من أدنى". وهنا يمكن تذكّر اللهجة القاسية التي تحدثت بها موسكو مؤخرًا عن أن "بغداد لا تحتاج ديمقراطية الصواريخ".

حرب شاذة
منير شفيق يحملنا إلى وصف جديد لهذه الحرب قائلاً: "صحيح أن هذه ليست أول حرب عدوانية ذات أهداف إمبريالية وتفتقر إلى العدالة تشنها أميركا. لكنها مع ذلك تتسم بخصوصيات تجاوزت كل ما عداها إلى حد لا يبالغ المرء معه إن وصفها بالشاذة".
وسمات الشذوذ كما يراها شفيق تكمن في الآتي:
1- طبيعة الفريق الذي يقود الإدارة الأميركية مما ولّد مركّبًا لم تعرف له مثيلا إدارة من الإدارات الاميركية من قبل. والإشكال الأخطر -برأيه- على أميركا والعالم ينبع من نظريته التي تعتمد القوة المسلحة العارية في العلاقات الدولية بالآخرين.
2- أنها تشن بلا تأمين لشـــرط الإجماع الوطني الأميركي الداخلي، مراهنةً على أن الانقسام الذي أحدثته داخل الولايات المتحدة نفسها سيُكبت حين تفرض عليه الحرب مراعاة لمعنويات الجنود في الميدان. لكنها مراهنة قصيرة نظر، وربما ذهبت بالانقسام بعد الحرب إلى تأزم داخلي لم يُعرف منذ الحرب الأهلية فكأنها ثأر الجنوب من الشمال.
3- أنها تشن في إطار عزلة دولية متعمدة من قبل ذلك الفريق.
4- دلالة التظاهرات المليونية وتواصلها بلا انقطاع، ولو بمئات الألوف، واستطلاعات الرأي في كل بلدان العالم بما في ذلك في الولايات المتحدة نفسها (هنالك من يشككون بالأرقام المعلنة مؤكدين أن نسب المعارضين أعلى بكثير).
ويؤكد شفيق على أن الانتقال إلى شن الحرب أفقد الإدارة الأميركية آخر نقاط قوتها وهي التهديد بالحرب. فماذا سيكون لديها بعد استخدام عضلاتها العسكرية، ولا سيما بعدما تأخذ مداها وتثبت الوقائع أن الإشكالات التي ستواجهها بعد ذلك، وربما في أثناء الحرب إن طالت قليلاً، أكثر بكثير من تلك التي واجهتها قبلاً.

العالم سيلتقط أنفاسه!
لكن العالم -بحسب شفيق- سرعان ما سيلتقط أنفاسه. ويعرف ماذا يجب أن يعمل. فالاصطفافات التي أخذت تتشكل في أثناء الصراع ضد الحرب مرشحة للتعمق أكثر فأكثر لأن الأسباب التي استدعتها سوف تصبح أقوى.
لكن السؤال الأهم هنا عما هو آت؟ يحيلنا شفيق إلى النظر إلى ما واجهته إدارة بوش من معارضة وهي تعد للحرب، مع كثرة خصوم صدام حسين داخلياً وإقليمياً وعالمياً، فكيف حين ستــــأتي لتصفية القضـــية الفلســطينية، أو تنفيذ مخطط تغيير خريطـــة المنطقة، أو إذا انتقلت إلى كوريا، أو بدأت بالانتقام من فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، أو مواجهة الانقسام الداخلي الأميركي الذي سيمسك بتلابيبها بسبب ما استجلبته لأميركا بين مآزق وعداء عالمي. ويلخص شفيق رؤيته بالقول: "هذه الإدارة لا مستقبل لها حتى في أقرب الآجال وهي النهاية الطبيعية لكل شذوذ".

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.