الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من ليس معنا من الصحفيين فهو ضدنا!

213 0 33

بالأمس قتل "جيش التحرير" طارق أيوب مراسل "الجزيرة" ومصورين لـ"رويترز" وتلفزيون إسباني. لكن ضحايا الحقيقة من الصحفيين تجاوزوا - حتى الآن - العشرة في غمرة الحرب المستعرة على العراق.
الصحفيون - ككل المدنيين العراقيين- لم يستشهدوا بـ "نيران صديقة" أو بطريق الخطأ الفني؛ فقد قال صحافي أجنبي: إنه شاهد دبابة أميركية تدير مدفعها صوب فندق "مريديان - فلسطين" في أحد أحياء بغداد وتطلق قذائفها على شرفاته... ثم على مكتب قناة الجزيرة وأبو ظبي الفضائيتين.
هذا هو الحدث .. لكن ماذا عن رد فعل "المحررين" حملة الديمقراطية ومناصري حقوق الإنسان؟ مساء أمس أعرب البنتاغون عن "حزنه" لمقتل الصحافيين. وقالت الناطقة باسمه إن الصحافيين "كانوا يقومون بعمل مهم جداً ونحن حزينون لمقتلهم". لكنها لم تشر الى مسؤولية القوات الأميركية عن مقتلهم. "إنه خطأ فظيع" .. و"الحادث رهن التحقيق". هذه كانت من نصيب تصريحات أخرى، وكأن "فظاعة" الخطأ وفتح "تحقيق" حوله تجعله مبررًا أو مغفورًا، بل إن جملة "الحادث رهن التحقيق" لا يكاد يخلو منها مؤتمر صحفي يعقده عسكري أميركي في المركز الإعلامي للتحالف في قطر، وهو الجواب المألوف على ألسنة المتحدثين الرسميين في واشنطن. ولكن "التحقيق" المفتوح هذا يبدو أنه لا قفل له، والكلام يبقى كلامًا. إنهم يراهنون على ضعف ذاكرة المتابعين لمجازر "المحررين" حَمَلة "الديمقراطية".
المتحدث باسم القوات الأميركية فنسنت بروكس، خرج على المألوف في الخطاب فقال: "إننا نقصف المواقع بدقة ولا نعرف سوى أماكن الصحفيين الذين يرافقون قواتنا". لكن لماذا لا تنزلق تلك "الدقة" وذلك "الذكاء" ليصبح التركيب "نعرف بدقة أماكن الصحفيين"؟
متحدث آخر في واشنطن قال: إن إطلاق النار جاء ردًّا -وهذا حق بل واجب الجندي- على نيران كانت تنبعث من فندق الصحفيين! لكن هذه النار المنبعثة من الفندق لم يسمعها إلا الجنود الأمريكان والبريطانيون من فرط ذكاء أسلحتهم؛ فلم يوجد مراسل واحد في الفندق سمع صوت إطلاق نار منه!
الشيء الذي أصبح مقززًا في هذه الحرب ليس التصريحات البهلوانية السابقة، بل العبث بالكلمات حتى إن غرور "التحالف" وصل لدرجة أن يظن بأن الجميع في العالم مدعو لتصديق كل ما يقوله هو! فإذا كانت الأسلحة "ذكية" والقصف يقع "بدقة" فلماذا تقع كل هذه المجازر؟! وإذا كانت النيران هي النيران لا تبقي ولا تذر فما فائدة انقسامها إلى نوعين: "صديقة وعدوة"؟! (يبدو أن العسكريين أرادوا أن يستعيروا مبدأ بوش - الخير والشر- في مجال الأسلحة ولم ينتبهوا إلى حجم الإخفاق الذريع في هذه الاستعارة!).
بعد كل هذا .. هل الرئيس الأميركي جورج بوش ووزير دفاعه وأركان حربه لا يزالان على الوعد الذي قطعاه - وما أكثر "مواعيد عُرقوب" - بأن "الحرب نظيفة"؟!
وإذا كان العسكريون يراهنون في ردودهم هذه، وعبثهم الفاحش بالكلمات والمفاهيم -كالأرواح تمامًا- على ضعف الذاكرة، فإن الذاكرة تستحضر بدقة ممارسات الغزو الأنغلوأميركي للعراق منذ بدايته -والعهد قريب- حيث مارست القوات الغازية شتى أنواع الضغط والتهديد على وسائل الإعلام ومراسليها داخل العراق في إطار سعيها الدؤوب لمنع نقل الصورة الحقيقية للأحداث، كما سعت إلى تكميم أفواه الصحفيين وهم شهود عيان على فظائع "جيش التحرير" الذي يستهدف المناطق السكانية وقتل المدنيين.
بل إن واشنطن عمدت قبل يومين من الغزو إلى إرسال تحذير واضح إلى الصحفيين مفاده "أنهم لن يكونوا بمنأى عن نيران القوات الغازية وطالبتهم بمغادرة العراق مع المفتشين الدوليين". وتنوعت وسائل الضغط والتهديد وتكتيم الأفواه لتضمن ألا ترينا إلا ما ترى في نقل الأحداث في العراق، فتارة تعمد إلى الطرد وأخرى إلى التهديد وثالثة إلى قصف مناطق قرب المواقع الإعلامية وصولا إلى أكثر الطرق دموية وهي القصف المباشر للمكاتب الإعلامية (الجزيرة وأبوظبي ثم فندق فلسطين الذي يقيم فيه الصحفيون).
الضغوط الأميركية لم تقتصر على ساحة الحرب؛ فقد طالت موقع الجزيرة -مثلاً- على شبكة الإنترنت وحجبته أيامًا، بينما رفضت شركات أميركية لدوافع "وطنية" استضافة الموقع وإتاحة الدخول إليه. وقبل أيام أوقف صحفيان أميركيان عن العمل في العراق بسبب تغطيتهما التي أغضبت الإدارة الأميركية والجيش الأميركي. فقد أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن الجيش الأميركي قرر طرد الصحفي المخضرم جيرالدو ريفيرا مراسل شبكة (فوكس نيوز) الأميركية في العراق لإفشائه "أسرارًا" عن وضع وتحرك القوات الأميركية التي يرافقها. كما قطعت شبكة (NBC) التلفزيونية الأميركية علاقتها مع مراسلها الشهير بيتر أرنيت لأنه قال للتلفزيون العراقي: إن خطة الحرب الأميركية ضد العراق فشلت. هكذا تكون "الحرية" التي يحملها "التحالف" للعراق!
ونقلت وسائل الإعلام عن اتحاد الإذاعات الأوروبية - وهو رابطة تضم الإذاعات الحكومية والتجارية وتشمل هيئة الإذاعة البريطانية BBC ومحطة CNN الإخبارية والقناة الإيطالية والفرنسية والألمانية- أن القوات الأميركية والبريطانية الغازية في العراق تعرقل عمل المراسلين غير الملحقين بوحدات عسكرية، وخاصة الصحفيين من الدول التي لم تؤيد الغزو الذين يحاولون تغطية الحرب في العراق وتضع قيودا لعملهم.
واعتبر الأمين العام للاتحاد جان ستوك في بيان صدر بالكويت أن "سياسة القيادة المركزية الأميركية الآن هي منع عمليات جمع الأنباء بشكل (مستقل) من جنوبي العراق".
فهل تجدي كل تلك التصريحات الرسمية وردود الفعل على استهداف الصحفيين أمام هذه الحقائق؟!
ملحوظة أخرى نوردها في هذا السياق، وهي أنه في الأيام الأولى من الحرب راح الأمريكان والبريطانيون يصيحون ويحتجون على العمل "الشنيع" الذي ارتكبته الفضائيات العربية حين نقلت صور قتلاهم وأسراهم، وهو ما يخالف "اتفاقية جنيف". لنضرب صفحًا عن تصوير الأسرى العراقيين بأوضاعهم غير الآدمية، ولنضرب صفحًا أيضًا عن "أسرى غوانتنامو" ولنسأل السادة حملة الحرية: أين اتفاقيات حقوق الإنسان في ممارساتكم في العراق؟ وما بال اتفاقية جنيف بخصوص استهداف المدنيين وليس الصحفيين؟! الجواب طبعًا سيكون: "لكل حرب ضحايا"، لكن أظن أن الجواب الصحيح هو: "قتلانا ليسوا كقتلاكم" أو بتعبير أدق: "إنساننا ليس كإنسانكم"!
كلمة أخيرة نوردها هنا حول "الصحفيين المرافقين" الابتكار الذي استحدثته الإدارة الأميركية لضمان "تنقية" صور هذه الحرب بعد الوعود السخية بأنها ستكون حربًا نظيفة وخاطفة، وهي أننا لو قرأنا المشهد بلوحتيه: استهداف الصحفيين وابتكار "الصحفيين المرافقين" سنرى شاهدًا آخر على أن مبدأ بوش (من ليس معنا فهو ضدنا) يسري العمل به أيضًا بالنسبة للصحفيين في ساحة الحرب؛ فمن لم يرافق الجيش الأمريكي فهو ضده! إلى أين سيحملنا هذا المبدأ الشامل الكوني الذي أتحفنا به بوش؟
ــــــــــ
* كاتب سوري

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.