الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحرب الراهنة وبدهيات التعامل معها

207 0 39

ثمة موقفان من العدوان الذي تشنه أميركا وبريطانيا على العراق، نسيا البدهيات التي ما ينبغي لأحد نسيانها. أولهما موقف يناقض نفسه، إذ يؤيد العدوان الأميركي، جهراً أو قلبياً، ولا يريد نتائجه الحتمية. وراح أصحابه يبدون انزعاجهم مما أعلنته إدارة جورج بوش عن تعيين حاكم عســــكري أميركي للعراق، فطالبوا بوضع العراق بعد الحرب تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة، وبعدم إطالة أمد الاحتلال. وهل هنالك تبسيطية أشد من التصور أن أميركا "تحرث وتدرس من أجل بطرس"؟
إنهم يريدون من أميركا أن تُشعل حرباً عدوانية غير شرعية تستعدي العالم كله ضدها، وتؤجج كراهيته لها، وتتحدى القوانين الدولية وتضرب بهيئة الأمم المتحدة عرض الحائط، وتُحدث انقساماً داخل الولايات المتحدة نفسها، لتأتي بعد ذلك كله فتقدم العراق على طبق من ذهب لمجموعة المعارضة أو لمجلس الأمن، وبهذا تشرك القاصي والداني في تقرير أوضاع العراق ما بعد الحرب، أو تسحب قواتها عند الطلب، وقد أرادتها حرباً منفردة لكي لا تشرك بالنتائج أحداً. وهذا سينطبق حتى على بريطانيا، عدا الدولة العبرية الشريك الوحيد المضمون إشراكه، لأنها في أساس قرار الحرب وفي قلب الإدارة الأميركية نفسها وليست حليفاً لاحقاً بها مثل توني بلير.

حرب غير شرعية .. ونتائجها كذلك:
الذين يمتلكون منطقاً متماسكاً يطابق القوانين والسنن، قبل الحرب وفي أثنائها ومن بعدها، لا بد من أن يعتبروها حرباً عدوانية غير شرعية ويقفوا ضدها. فهؤلاء وحدهم ستكون لهم العين القوية في اعتبار نتائجها إذا جاءت، لا سمح الله، كما تريد أميركا، غير شرعية ليواصلوا المقاومة، بكل أشكالها، من أجل تحرير العراق من الاحتلال الأميركي. فالمشكلة عند بعض المعارضة العراقية وبعض العرب أن بوصلتهم ضاعت في معرفة أجندة فريق إدارة بوش من وراء العدوان واحتلال العراق. وهي أجندة لا علاقة لها بما يفكرون ويأملون. وإذا أبعدوا سمّوها "مصالح" نراعيها أو مجرد اعتراف بالدولة العبرية نمرره. فمن جهة لا يلحظون أن هذا الفريق يطلب الأقصى في كل شيء، ولا يتعامل إلا مع عملاء ينفذون ولا يعترضون، لا قبل التنفيذ ولا بعده.
أما من جهة ثانية، فلا يعرفون، إن لم يتجاهلوا، أن القانون بالنسبة إلى من يحتل البلاد، وبعد أن يكون قد دفع ثمناً غالياً في الحرب، يقضي بأن يكون هو من سيقرر وليس ذلك القادم من المنفى بحماية دباباته.
ثم هنالك من جهة ثالثة من يجهلون أن مقاومتهم للاحتلال بعد أن يقع الفأس في الرأس، وبعد أن يُثبّت ويكرّس بمئات الألوف من الجند ستكون صفوفهم معرضة للانقسام (مثال تحالف الشمال في أفغانستان) ومقاومتهم مهتزة حين لم يقاوموا العدوان. ولأن أول ما سيسمعونه من الحكومة المؤمركة المصهينة "أنكم وافقتم على التدخل الأميركي حرباً، وقدمتم له الغطاء". وسيُلوّح بإخراج ملفات اللقاءات مع أميركا في المفاوضات الجماعية أو الثنائية.

الأولوية مقاومة العدوان
ولهذا على الذين لا يريدون حاكماً عسكرياً أميركياً واحتلالاً للعراق، أن يقاوموا العدوان منذ الآن، ولم يفت الأوان بعد، وليبذلوا كل جهد حتى لا يتمكن في الأرض، ولات ساعة مندم إن لم يفعلوا. وبكلمة، يجب أن يقاوم العدوان وهو في عنفوان أزمته في مواجهة مقاومة عادلة وشجاعة، انطلاقاً من لا شرعيته والأخطار التي يضمرها للعراق وفلسطين والعرب والمسلمين والعالم، واستناداً إلى المبدأ الشرعي الذي لا يسمح بنصرة أعداء الأمة على اجتياح دارها والتمكين لهم فيها تحت أية حجة، بما في ذلك ادعاء الخلاص من عدو داخلي. وها هنا ثمة التقاء بين المبدأ الشرعي والموقف الوطني والقومي واستراتيجية المستقبل، وذلك بتغليب مصلحة الأمة ومجموع أقطارها من خلال معيار يتجاوز القطر أو هذه الخصوصية الدينية أو المذهبية أو الإثنية أو تلك.
أما الموقف الثاني الذي يخطئ بالبدهيات والمبدأ وتحديد الأولويات، بل بالجانب الواقعي العملي، فيتثمل بطرح شعارات أو سياسات لمرحلة ما بعد الحرب. وهذه وقعت فيها دول عدة أخيراً وسبقها عليها بعض العرب والنخب، فيما الصواريخ تقصف في بغداد وسائر المدن العراقية، وفي وقت تندلع فيه مقاومة ضارية متسعة باطراد، وفيما تتواصل حركات الاحتجاج على الحرب ويتصاعد الشرر من الغضب الشعبي العربي والإسلامي. فأي منطق يسمح بالحديث عن مرحلة لاحقة ما زالت ملامحها في المجهول بدلاً من أن يُصب التركيز على معارضة الحرب والمطالبة بوقفها وانسحاب قوات الاحتلال، والاستمرار بذلك حتى آخر لحظة إلى أن تضع أوزارها. فاستعجال، أو استباق، الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب لا يُعبر عن بعد نظر يضع في حسبانه أكثر من احتمال لكيفية نهاية الحرب.
ولمن البدهي، أن الكيفية التي ستنتهي بها الحرب، وما سيتشكل من وضع عراقي وعربي وإقليمي وعالمي وأميركي داخلي، هما اللذان سيحددان أولويات المرحلة المقبلة وسياساتها وشعاراتها. فالتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب ضمن سيناريو واحد مفترض سلفاً، أساسه "القدر" الأميركي، يفترض التعلم من اعتماد سيناريو للحرب قام على ذلك الأساس وفقد مصـــداقيته على أسوار البصرة وفي الفاو وأم قصــــر والنـاصرية والنجف وكربلاء، وقبل أن يصــــل إلى بغداد. الأمر الذي يتطـــلب بعض الحذر، في الأقل، عند الحديث عن معطيات مســــتقبلية تـــقررها عوامل كثيرة وسيكون لها أكثر من احتمال، وكل احتمال يضمر أكثر من معادلة وأوضاع معقدة.
فعلى سبيل المثال، هل ستجبر تطورات المعارك داخل العراق وما يمكن أن يحدث من مجازر ضد المدنيين، وما قد يتطور من تظاهرات وأشكال احتجاج، الإدارة الأميركية على عودة مبكرة لمجلس الأمن قبل أن تضع الحرب أوزارها؟ وهل سيخرج فريق جورج دبليو بوش من هذه الحرب أكثر غطرسة وغروراً ليواصل هجومه على هيئة الأمم المتحدة لتبدأ معركة عالمية لإنقاذها قبل المطالبة بإحلالها مكان أميركا في العراق؟ هذان السؤالان مثالان لأسئلة أهم حول احتمالات ما زالت مخبوءة في العراق وخارجه ضد العدوان الأميركي.
ولهذا يمكن اعتبار كل حديث عن "عراق ما بعد الحرب" سابقاً لأوانه، بل في غير أوانه. لأن المهمة ذات الأولوية على أرض العراق وفي النطاقين العربي والإسلامي، كما في المجال العالمي، وعلى كل المستويات، إنما هي مقاومة العدوان ومعارضته وإفشاله ومن ثم عدم الانقياد الأعمى وراء الحرب النفسية الأميركية مهما بولغ بقوتها التدميرية العسكرية واستعجال مرحلة ما بعد الحرب. والحرب، كما اعترف بوش ودونالد رامسفيلد والعسكريون الأميركيون، ما زالت في بدايتها وستكون صعبة ولا يمكن التكهن بأمدها وتطوراتها، عدا تأكيدهم الذي لا يمكنهم التشكيك فيه، وهو حتمية "النصر في نهاية المطاف".

خلل الحديث عن "ما بعد الحرب"
هذا، ويمكن أن نلحظ خلل الموقف الذي يستعجل الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب بمقارنته مع الإصرار الشعبي على التظاهر في كل المدن الأميركية والعواصم والمدن في الغرب، كما في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية، لا سيما في البلاد العربية والإسلامية. فهذا الإصرار على التظاهر لا يُعبر عن موقف عبثي وإنما عن أمل التأثير في مجريات الحرب. فالخروج يومياً إلى الشوارع يحمل ايماناً، ووعياً وواجباً، بضرورة بذل كل جهد لوقف العدوان وعدم الاســـــتسلام للإدارة الأميركية أو اعتبارها قدراً لا يرد. وهكذا مرة أخرى يثبت الموقــــف الشعبي أنه أصــح موقفاً، وأبعد نظراً، من الذين يهربون من مواجهة مهمات المرحلة إلى ما بعدها، وهم لا يســــتطيعون أن يخمّنوا كيف ســــتقفل المرحلة الراهنة، وما ستكون عليه المرحلة المقبلة.
ـــــــــ
الحياة 2003/04/06

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.